رأي

قائد مليشيا درع السودان: في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني والأعراف الدولية (!)

د.فاطمة الزين الغالي .. كاليفورنيا

 

 د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا

فُجع السودانيون، وهم يتابعون فصول المأساة المتجددة في وطنٍ أنهكته الحرب، بتصريحات بالغة الخطورة أطلقها المليشي أبو عاقلة كيكل، هدّد فيها مواطني مدينة الأبيض المحاصرة بإطلاق النار عليهم إذا ما حاولوا مغادرة المدينة والنجاة بأرواحهم. لم تكن تلك التصريحات زلة لسان عابرة، ولا خطابًا انفعاليًا في لحظة احتدام عسكري، بل إعلانًا صريحًا لسياسة قهر وإرهاب، وانتهاكًا سافرًا لمجموعة من المبادئ القطعية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني وقانون الحروب، وتعدّيًا فجًّا على حق الإنسان الأصيل في الحياة والحرية والأمان.

إن حق المدنيين في الحماية أثناء النزاعات المسلحة ليس منحة من أطراف الحرب، ولا امتيازًا يخضع لتقديرات القادة الميدانيين، بل هو التزام قانوني وأخلاقي راسخ، نصّت عليه اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، وأكدته الأعراف الدولية المستقرة. وتُلزم هذه القواعد جميع الأطراف المتحاربة، دون استثناء، بالتمييز الصارم بين المقاتلين وغير المقاتلين، وباتخاذ كل التدابير الممكنة لتجنيب المدنيين ويلات القتال، بما في ذلك تمكينهم من مغادرة مناطق الخطر، وفتح ممرات آمنة لهم، وعدم تعريضهم للتهديد أو الانتقام أو الإكراه. وعليه، فإن تهديد المدنيين بالقتل إن هم سعوا إلى النجاة بأنفسهم وأطفالهم لا يُعد فقط خرقًا لهذه القواعد، بل جريمة قائمة بذاتها، تتكامل أركانها القانونية متى ما اقترنت بالقدرة والنية والتصريح العلني.

وليس غريبًا أن تصدر مثل هذه التهديدات عن شخص متهم، وفق تقارير محلية وإقليمية متعددة، بارتكاب أفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وجرائم تطهير عرقي. فقد ارتبط اسم أبو عاقلة كيكل بمجازر مروعة ارتُكبت إبان انسحاب قوات الدعم السريع من مدن ود مدني وسنجة، حين أقدمت مليشياته على استهداف قرى المواطنين، ولا سيما من أصول غرب سودانية، بالحرق والقتل والتنكيل، في مشاهد صادمة هزّت الضمير الجمعي، ووثّقتها شهادات ميدانية وتقارير حقوقية عديدة. إن هذا السجل الدموي لا يمكن فصله عن التهديدات الأخيرة، بل يضعها في سياق متصل من السلوك الإجرامي الذي يتغذّى على الإفلات من العقاب، ويزداد شراسة كلما طال الصمت الدولي.

إن التنديد بهذه التصريحات ليس موقفًا سياسيًا، بل واجب أخلاقي وقانوني. فهي تمثل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف المدنيين المحاصرين، وتُشيع مناخًا من الرعب يمنعهم من اتخاذ أبسط الاحتياطات لحماية أنفسهم، وتحوّلهم قسرًا إلى رهائن داخل مسرح العمليات العسكرية. كما أنها تُجسّد، في جوهرها، نية واضحة لاستخدام المدنيين دروعًا بشرية، عبر إبقائهم في مناطق الاشتباك ومنعهم من المغادرة، وهو ما يُعد من أخطر الانتهاكات في نظر القانون الدولي الإنساني، ويُحمّل المسؤولية الجنائية الفردية لكل من يصدر الأمر أو يحرّض عليه أو يتغاضى عنه.

وفي هذا السياق، لا بد من لفت انتباه اللجنة الرباعية المعنية بالشأن السوداني، والمكوّنة من الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، إلى خطورة هذه التصريحات وتداعياتها الإنسانية والأمنية. كما نوجّه نداءً خاصًا إلى مبعوث الولايات المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، الدكتور مسعد بولس، بضرورة التعامل مع هذا التهديد بوصفه مسألة عاجلة تستوجب تحركًا فوريًا، لا يقتصر على بيانات القلق، بل يترجم إلى ضغوط حقيقية على الأرض، تهدف إلى إنقاذ أرواح المدنيين في المدن المحاصرة، وعلى رأسها الأبيض وكادوقلي والدلنج.

إن تمكين المواطنين من اتخاذ قرارهم بحرية في مغادرة مناطق إطلاق النار، دون خوف من القتل أو الانتقام، هو حق لا يقبل المساومة، وأي محاولة لمنعهم بالقوة أو التهديد تُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، وفقًا لنصوص القانون الدولي الإنساني وروحه. كما أن التغاضي عن هذه الانتهاكات، أو التعامل معها بوصفها شأنًا داخليًا، لا يفضي إلا إلى تعميق الكارثة، وإرسال رسالة خاطئة مفادها أن حياة المدنيين يمكن أن تُستخدم كورقة تفاوض أو أداة ابتزاز.

كذلك، إن كشف مخالفة هذه التصريحات الصريحة للقوانين الدولية الإنسانية ليس عملًا أكاديميًا مجردًا، بل خطوة ضرورية لتثبيت المسؤولية، وقطع الطريق أمام محاولات التطبيع مع العنف، وحماية ما تبقى من إنسانية في حربٍ تتسع دوائرها يومًا بعد يوم. فحين يُهدَّد المدني بالسلاح إن هو حاول النجاة، تسقط كل الأقنعة، ويصبح الصمت تواطؤًا، والتأجيل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. وفي لحظة كهذه، لا بد أن ينتصر صوت القانون على ضجيج البنادق، وأن تُقدَّم حياة الإنسان على كل حسابات القوة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!