رأي

تعنّت جيش الحركة الإسلامية وإفشال مسارات السلام في السودان

د.حافظ ابىاهيم عبد النبي

 

د. حافظ إبراهيم عبدالنبي

تكشف التجربة السودانية خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن تعثّر مسارات السلام لم يكن نتيجة غياب المبادرات أو ضعف الوساطات، بل حصيلة مباشرة لتعنت جيش الحركة الإسلامية وإفشاله المنهجي لكل محاولات التفاوض، بدءًا من منبر جدة، مرورًا بمبادرات الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، وصولًا إلى المسار السويسري، وآخرها رفضه الهدنة التي تقدمت بها الولايات المتحدة الأمريكية.

فمنذ اندلاع الحرب، تعامل جيش الحركة الإسلامية مع التفاوض بوصفه أداة تكتيكية لكسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية، لا مسارًا جادًا لإنهاء الحرب. وقد تجلّى هذا السلوك بوضوح في التملص المتكرر من الالتزامات، وخرق اتفاقات وقف إطلاق النار، ورفض إجراءات بناء الثقة، وإجهاض المبادرات الإنسانية المتعلقة بحماية المدنيين وفتح الممرات الآمنة.

في منبر جدة، الذي مثّل أول محاولة جادة لوقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، لم يُبدِ جيش الحركة الإسلامية أي التزام فعلي بمخرجات التفاوض، وسرعان ما تم تجاوز التعهدات المعلنة على الأرض. وتكرر المشهد ذاته في المبادرات اللاحقة التي قادها الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، حيث استُخدمت المشاركة الشكلية في الاجتماعات غطاءً للاستمرار في العمليات العسكرية.

أما المسار السويسري، الذي سعى إلى إعادة إحياء الجهود الدبلوماسية وتهيئة مناخ إنساني أكثر استقرارًا، فقد واجه المصير نفسه نتيجة غياب الإرادة السياسية لدى هذا الطرف، ورفضه تقديم أي تنازلات حقيقية تمهّد لوقف الحرب. وجاء الرفض الصريح للهدنة التي اقترحتها الولايات المتحدة الأمريكية ليؤكد مجددًا أن خيار السلام لا يزال مرفوضًا من قبل جيش الحركة الإسلامية، طالما أن الحرب تخدم مشروعه السلطوي.

ويقوم هذا التعنّت على رؤية أيديولوجية مغلقة ترى في السلام تهديدًا مباشرًا لمصالحها السياسية؛ إذ إن أي تسوية سلمية شاملة تفضي بالضرورة إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وإنهاء عسكرة السياسة، وفتح مسار المساءلة عن جرائم الحرب. وهي استحقاقات تتناقض جذريًا مع مصالح جيش الحركة الإسلامية، الذي ارتبط تاريخيًا بالسلطة أكثر من ارتباطه بالدولة الوطنية.

كما أسهم تداخل المصالح الإقليمية، وضعف الضغط الدولي الحاسم، في تعزيز قناعة هذا الطرف بإمكانية إطالة أمد الصراع دون كلفة سياسية حقيقية. وهو ما حوّل التفاوض من فرصة لإنقاذ السودان إلى واجهة شكلية تُستخدم لتخفيف الضغوط الخارجية، بينما تتواصل الحرب وتتعمق الكارثة الإنسانية.

أثر التعنّت على فرص السلام

لقد أدى إفشال مسارات التفاوض إلى عواقب بالغة الخطورة على مستقبل السودان، إذ أسهم في إطالة أمد الحرب وتعميق المعاناة الإنسانية لملايين المدنيين، في وقت تتسع فيه رقعة النزوح وتنهار الخدمات الأساسية. كما أدى هذا السلوك إلى تآكل ثقة السودانيين في العملية السياسية برمتها، وإلى ترسيخ قناعة عامة بعدم جدوى المسارات التفاوضية في ظل غياب إرادة حقيقية للسلام. وفي المقابل، أُضعف دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين وجدوا أنفسهم يتحولون من فاعلين في إدارة الأزمة إلى شهود على فشل متكرر. ومع استمرار هذا النهج، تسارعت وتيرة تفكك الدولة، وتعمق انهيار مؤسساتها، بما يهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي والاجتماعي.

خلاصة سياسية

تؤكد الحالة السودانية أن التفاوض لا يمكن أن ينجح عندما يكون أحد أطراف النزاع مستفيدًا من استمرار الحرب. فغياب الإرادة السياسية، حين يقترن بمشروع سلطوي مغلق، يحوّل السلام إلى خيار مؤجّل، ويجعل الحرب أداة للحكم لا حالة استثنائية.

إن السلام في السودان لن يتحقق بتعدد المنابر أو إعادة تدوير المبادرات، بل بتوفر أطراف راغبة فعليًا في إنهاء الحرب، وبضغط دولي حقيقي يربط التفاوض باستحقاقات واضحة لا يمكن الالتفاف عليها. وما لم يُواجَه تعنّت جيش الحركة الإسلامية بإجراءات سياسية ودولية صارمة، فإن كل مسارات السلام ستظل عُرضة للإفشال، وسيبقى السودان رهينة للحرب ومعاناة المدنيين.

واشنطن – 16 ديسمبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!