رأي

الهوية حين تخاف من صوتها

عمار نجم الدين

 

عمار نجم الدين 

«وأحيانًا على بكرٍ أخينا

إذا لم نجد إلاّ أخانا»

لا يُقرأ هذا البيت بوصفه شذرة في خطاب الفخر، بل بوصفه كشفًا مكثفًا لمنطقٍ خفيٍّ يحكم اشتغال القوة حين تعجز عن العثور على “آخرٍ” بعيد. فالعنف، متى ما أُعيد تعريفه باعتباره شرطًا للهيمنة والاستمرار، لا يتوقف عند حدود الخصومة المعلنة، ولا يميّز بين العدو والأخ، بل يتقدّم بلا تردّد حتى يبلغ الأقرب. في تلك اللحظة، يفقد الأخ صفته الأخلاقية، ويُعاد إنتاجه بوصفه مادة اختبار للسلطة، وموضوعًا صالحًا لإثبات التفوق، لا بوصفه شريكًا في الوجود أو التاريخ.

في المجتمعات المتعدّدة، لا يظهر هذا المنطق بوصفه انحرافًا طارئًا، بل يتحوّل إلى بنية مستقرة تتغلغل في الثقافة والتعليم والإعلام. فحين تُبنى الهوية على تعريفٍ مغلق، وتُقدَّم بوصفها الإجابة النهائية عن سؤال “من نحن”، فإنها تدخل في حاجة دائمة إلى نفيٍ مستمر كي تحافظ على تماسكها الداخلي. وإذا لم يتوفّر “الآخر” المختلف ثقافيًا أو عرقيًا أو دينيًا خارج الجماعة، فإن المنظومة نفسها تُنتج آخرها من داخلها، وتباشر ممارسة الإقصاء على الأقرب، لا لأنه الأكثر اختلافًا، بل لأنه الأضعف من حيث الحماية الرمزية والقدرة على الرد.

هنا يتحوّل الصراع من خلافٍ سياسي أو ثقافي ظاهر إلى صراعٍ أعمق على الوجود الرمزي: من يُسمّى، من يُرى، من يُمنح شرعية الكلام، ومن يُدفع إلى الصمت. فالعنف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ غالبًا بإعادة تسمية الأشياء، وباحتكار الرموز، وبفرض سردية واحدة بوصفها “الطبيعية” و”الوطنية”، بينما يُعاد دفع الآخرين إلى هوامش التزيين الثقافي، حيث يُسمح لهم بالظهور من دون أن يُسمح لهم بالمعنى.

في هذا السياق، لا تكون الهوية توصيفًا ثقافيًا بريئًا، بل أداة تنظيم للسلطة. فهي لا تُنتج فقط شعورًا بالانتماء، بل تُنتج في الوقت ذاته حدودًا غير مرئية بين من ينتمي “كاملًا” ومن يُقبل انتماؤه على نحوٍ ناقص، ومن يُدفع إلى الهامش مهما حاول الاندماج أو إثبات الولاء. وتُبنى هذه الهوية عبر عملية تراكمية بطيئة، لا عبر قرارٍ واحد، تتداخل فيها اللغة الرسمية، والمناهج التعليمية، وخيارات الإعلام، والرموز الثقافية المختارة بعناية، بحيث تتشكّل سردية واحدة عن “الذات الوطنية”، بينما تُختزل الذوات الأخرى أو تُقصى أو يُعاد تقديمها في صورة مشهدية منزوعَة السياق.

من هنا، يصبح السؤال عن الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز، حتى وإن جرى تقديمه في صورة ثقافية أو تعليمية محايدة. فاختيار ما يُدرَّس، وما يُغنّى، وما يُبث، وما يُحتفى به، ليس محايدًا، بل يعكس ميزان القوة داخل الدولة، ويُسهم في إعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل.

تُعد آلة الطنبور مثالًا بالغ الدلالة على هذا الاشتغال البنيوي. فالطنبور آلة كوشية نوبية مروية، موثّقة في النقوش والرسومات النوبية، ومرتبطة بالحضارة المروية منذ آلاف السنين، في شمال السودان وجنوبه. وجودها ثابت في الذاكرة المادية والرمزية لتلك الحضارة، قبل تشكّل أي سردية حديثة عن الهوية أو القومية. ومع ذلك، جرى عبر الزمن تهميش هذا الأصل التاريخي، لا عبر إنكاره الصريح، بل عبر عملية طويلة من إعادة التعريف، حتى أصبح الطنبور في الوعي الجمعي مرتبطًا بهوية واحدة بعينها، ومُدرجًا ضمن سردية ثقافية تُقدَّم بوصفها “القومية”.

لم يحدث هذا التحوّل بفعل تطوّر ثقافي طبيعي أو تلاقٍ حرّ بين الثقافات، بل نتيجة تراكم ممارسات متضافرة: اختيار نمطٍ واحد للغناء في الإعلام الرسمي، ربط الآلة بجغرافيا محددة في الخطاب العام، تجاهل أصلها التاريخي في التعليم، وتكرار هذا التقديم حتى يصبح بديهيًا وغير قابل للسؤال. العنف هنا ليس قهرًا مباشرًا، بل عنف صامت، يقوم على المحو التدريجي للذاكرة، وإحلال سردية بديلة، إلى أن يصبح الأصل منسيًا، والاختطاف مقبولًا بوصفه أمرًا طبيعيًا. وهكذا يتحوّل الرمز المختطَف إلى دليل على هوية لم تُنتجه، بينما يُمحى المنتج الأصلي من الوعي العام ومن السردية الوطنية.

يلعب التعليم دورًا مركزيًا في تثبيت هذه البنية. فالمناهج لا تُعيد فقط إنتاج المعرفة، بل تُعيد إنتاج التراتبية الرمزية داخل المجتمع. اختيار النصوص الأدبية، وطريقة عرض التاريخ، وتقديم اللغة بوصفها معيارًا للرصانة أو “الفصاحة”، كلها عناصر تُسهم في بناء وعيٍ هرمي، يُدرِك فيه الطالب منذ وقت مبكر موقعه من المركز. ولا يتم إقصاء الثقافات الأخرى دائمًا عبر الحذف الكامل، بل غالبًا عبر إدراجها إدراجًا وظيفيًا، بوصفها “محلية” أو “تراثية” أو “فولكلورية”، لا بوصفها مساهمة أصيلة في تشكيل الكل الوطني. هكذا يتعلّم الطالب أن هناك ثقافة “أساسية” تمثّل المعيار، وثقافات أخرى تُستدعى عند الحاجة للزينة أو الاحتفال.

هذا النمط من التعليم لا يُنتج مواطنًا واثقًا بتعدّد انتمائه، بل يُنتج أحد مسارين: إما فردًا يسعى للتماهي مع ثقافة المركز مهما كان الثمن، حتى وإن لم يُقبل فيه قبولًا كاملًا، أو فردًا ينسحب إلى موقع المقهور، ويُعيد تعريف ذاته بوصفها ناقصة أو غير معترف بها. وفي الحالتين، تستمر البنية في إنتاج ذاتها.

يُكمل الإعلام هذا الدور عبر صناعة حضورٍ مشروط للآخر. فالثقافات غير المطابقة للنموذج المركزي إما غائبة تمامًا، أو حاضرة في صورة احتفالية سطحية: رقصات، أزياء، لقطات عابرة بلا سياق تاريخي أو سياسي. هذا النوع من الحضور لا يمنح اعترافًا، بل يكرّس التشييء. يُسمح للآخر أن يُرى، لكن لا يُسمح له أن يُعرّف نفسه أو أن يتكلّم من موقع الفاعل. وهنا تتجلّى إحدى أخطر آليات العنف الرمزي: الحضور بلا معنى.

يتجلّى هذا العنف أيضًا في اختيار النصوص الأدبية المقدّمة في الفصول الدراسية. فحين تُقدَّم نصوص الفخر بوصفها النموذج الأعلى للقوة والاكتمال، دون تفكيك سياقها التاريخي أو مساءلة دلالاتها، فإنها تتحوّل من أدب إلى أداة فرز رمزي. حين يُقال: «نحن نشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا»، يبرز سؤال غير معلن داخل فصل متعدّد الأعراق والهويات: من هو “غيرنا”؟ وأي طفل يُدرَج، ضمنيًا، في خانة من “يشرب الماء كدرًا”؟ وحين يُقال: «إذا بلغ الفطام لنا صبيٌّ تخرُّ له الجبابر ساجدينا»، تُقدَّم صورة واحدة للبطولة والاكتمال، ويُستبعد منها كل من لا تنطبق عليه شروطها الثقافية والعرقية.

بهذا الشكل، تعمل الثقافة لا بوصفها مجالًا للتخييل الإنساني المشترك، بل بوصفها أداة إعادة إنتاج للتراتبية، تُغرس في الوعي المبكّر، دون إعلان، ودون قسر ظاهر، لكن بنتائج بعيدة الأثر. ولا تكمن المشكلة هنا في الثقافة ذاتها، بل في تحويلها إلى معيار إقصائي، وفي تقديمها بوصفها النموذج الوحيد الممكن للذات الوطنية.

تفكيك هذه البنية لا يعني استبدال مركزٍ بمركز، ولا إحلال هوية محل أخرى، بل إعادة فتح سؤال الهوية بوصفه سؤالًا تاريخيًا وإنسانيًا مفتوحًا، لا إجابة نهائية مغلقة. يعني نزع القداسة عن التعريفات التي قُدِّمت بوصفها بديهية، وإعادة الاعتبار للتعدّد بوصفه حقيقة تأسيسية، لا تهديدًا للوحدة أو الاستقرار.

ما لم يُفكَّك هذا العنف الرمزي، سيظل السودان يعيد إنتاج أزمته جيلًا بعد جيل. فالهوية التي تُفرض بالقوة الناعمة لا تُنتج انتماءً، بل قلقًا. والتعليم الذي يُقصي لا يُنشئ مواطنًا، بل تابعًا أو متمرّدًا. والإعلام الذي يزيّن الآخر لا يعترف به، بل يؤجّل الاعتراف إلى أجلٍ غير مسمّى. وحين تخاف السلطة من التعدّد، فإنها لا تبحث عن التعايش، بل عن ضحية. وإذا لم تجد إلاّ أخاها… بدأت به.

فالهوية التي لا تتّسع لظلّها، ستكسر مرآتها، وتظنّ أن الشظايا وطن؛ وحين تعجز عن رؤية الآخر، ستفقد قدرتها على رؤية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!