رأي

صراخ القاهرة وصمت التأسيس: هل ينجح السودان في استعادة حقه الضائع؟

ادهم الضهيب

 

أدهم الضهيب

تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة موجة متصاعدة من الضغوط المصرية، التي تبدو وكأنها محاولة مستميتة لإعادة إنتاج مركزية الخرطوم في الشأن الوطني، على حساب استقرار السودان ومستقبل شعوبه. هذا الصراخ المصري، الذي يعلو في وسائل الإعلام والمنابر الدبلوماسية، يثير تساؤلات جوهرية حول الأجندات الحقيقية وراءه: هل هو دفاع عن مصالح شعبية مشروعة، أم عن مركزية سياسية تدعم فلول النظام السابق وتستفيد من استمرار حالة الانقسام والفوضى؟

يبدو واضحاً أن مصر، في محاولتها لفرض نفوذها، تتجاهل حقيقة مفادها أن الخرطوم المركزية، كما هي اليوم، لم تحقق سوى سلسلة من الأزمات والحروب التي مزقت النسيج الاجتماعي وأدت إلى نزوح ملايين السودانيين. إن استمرار الوضع الراهن لا يخدم سوى قوى معينة، تستفيد من انقسام السودان إلى مناطق ضعف وفوضى، بينما تبقى الموارد الطبيعية والخدمات الحيوية رهينة للنخب الحاكمة والفلول المرتبطة بالأيديولوجيا الإرهابية.

وبينما تصر القاهرة على إبقاء السودان في حالة صراع مستمر، يبدو أن “التأسيسيون” قد اختاروا الصمت، صمت يثير علامات استفهام كبيرة حول جدية المشروع الوطني الذي يدعون تمثيله. لا جولات دبلوماسية فاعلة، ولا شراكات استراتيجية حقيقية، ولا رؤية واضحة للتعامل مع التدخلات الإقليمية والدولية. هذا الجمود، الذي يترافق مع صمت رسمي مطبق، يضع مشروع التأسيس في مهب الريح ويقلل من فرصه في تحقيق تغيير حقيقي يلامس حياة المواطنين السودانيين.

إن مشروع “التأسيس” ليس مجرد خطاب سياسي أو تنظير نظري، بل هو مسؤولية تاريخية تجاه شعوب السودان المهمشة، التي عانت سنوات من الحروب والإقصاء. نجاح هذا المشروع يقاس بمدى قدرته على تحسين حياة الناس اليومية، عبر توفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وبنية تحتية تليق بكرامة الإنسان، وضمان العدالة الاجتماعية والإنصاف لضحايا الحروب، وتقديم الدعم لأسر الشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للحرية.

التحدي الأكبر أمام التأسيسيين اليوم هو ترجمة المشروع النظري إلى واقع ملموس على الأرض، عبر دبلوماسية نشطة وقادرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وشرح قضية المهمشين للعالم، واستصدار الاعتراف الدولي بمشروع التأسيس كخطوة ضرورية لحماية ما تبقى من السودان من الانهيار. فالسودان، إذا ما استمر في غياب الحضور الدبلوماسي والفعال، سيظل أسير مصالح الآخرين ومسرحاً للتدخلات الإقليمية، دون أن يستعيد سيادته أو يحقق تطلعات شعبه.

إن صمت “التأسيسيين” اليوم قد يكون أكثر خطورة من أي تدخل خارجي، لأنه يبعث برسالة ضمنية بأن المشروع الوطني مجرد شعار بلا مضمون. في المقابل، فإن مصر، عبر صراخها المستمر، تؤكد أنها لن تتوقف عند حدود النفوذ السياسي، وأنها ستستغل أي ثغرة لتمرير أجنداتها الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار السودان وأمنه الاجتماعي والسياسي.

المرحلة الراهنة تتطلب يقظة وطنية كاملة. على التأسيسيين أن يرفعوا الصوت ويحولوا الخطاب النظري إلى فعل ملموس على الأرض، عبر سياسات وبرامج واضحة، وجولات دبلوماسية فاعلة، واستراتيجيات تضمن حماية حقوق المهمشين، وتحمي موارد السودان الوطنية. الصمت لم يعد خياراً، والتأجيل قد يكلف السودان الكثير، وربما يفقده فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة والتنمية.

السودان اليوم بحاجة إلى قوة دبلوماسية حقيقية، ليست مجرد منابر إعلامية، بل أدوات فعالة للتفاوض، والدفاع عن مصالحه، وإعادة الاعتبار لشعوبه. فإما أن يستيقظ “التأسيسيون” قبل فوات الأوان، أو سيظل السودان رهينة أجندات الآخرين، وعاجزاً عن تحقيق حلم أبنائه في دولة مستقرة ومتقدمة.

أحمد الضهيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!