البرهان واللعب على تناقضات العلاقات الدولية: شراء الوقت كاستراتيجية مؤقتة
لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة
في المشهد السوداني الراهن، لا يمكن فهم تحركات الفريق عبد الفتاح البرهان بمعزل عن استراتيجية واعية تقوم على استثمار التناقضات الإقليمية والدولية، لا بهدف الوصول إلى حل نهائي، بل لكسب الوقت وإعادة ترتيب موازين القوة. عودة البرهان المتسارعة من الرياض عقب مؤشرات كانت توحي بإمكانية الدفع نحو وقف الحرب، وتخفيف المأساة الإنسانية، وإبعاد الإسلاميين عن المشهد، تكشف بوضوح طبيعة هذا النهج القائم على المراوحة الدبلوماسية.
كانت زيارة البرهان إلى المملكة العربية السعودية محمّلة بإشارات إيجابية، في ظل الدور المحوري الذي تلعبه الرياض في الملف السوداني، سواء من حيث الشرعية الإقليمية أو التأثير في مسارات الحل السياسي. غير أن الانتقال السريع بعدها إلى القاهرة يعكس إدراك البرهان لأهمية الغطاء الأمني والسياسي الذي توفره مصر، حتى وإن بدا موقفها داخل “الرباعية” الدولية متناقضًا في الظاهر.
الحقيقة أن “الرباعية” ليست كتلة صلبة ذات موقف موحد، بل هي إطار تنسيقي هش، تتباين داخله الأجندات والمصالح. وقد أشرتُ في تحليلات سابقة إلى أن مصر ليست طرفًا محايدًا في الملف السوداني؛ فالأمن القومي المصري مرتبط، من منظور القاهرة، بوحدة الجيش السوداني وخشية تفككه، كما تخشى صعود واقع عسكري جديد تمثله قوات الدعم السريع وتحالفات “تأسيس”، وهو واقع تتعامل معه مصر عبر تقارير استخبارية مضللة أو قاصرة عن الإحاطة الكاملة.
عمليًا، تلعب مصر داخل الرباعية دورًا يهدف إلى تخفيف الضغط الدولي على الجيش السوداني، أكثر من كونها شريكًا فاعلًا في الدفع نحو تسوية جذرية. هذا التباين في المواقف، لا سيما بين مصر من جهة، والولايات المتحدة والإمارات من جهة أخرى، يوفر للبرهان هامش مناورة واسعًا، يستثمره بمهارة لشراء الوقت.
وليس هذا السلوك عشوائيًا؛ فموضوع بحث البرهان الأكاديمي لنيل درجة الماجستير كان حول “الخداع الاستراتيجي”، وهو اليوم يطبق هذا المفهوم حرفيًا في ممارساته السياسية. يتنقل بين العواصم المؤثرة، مستثمرًا الشرعية الإقليمية في الرياض، والغطاء الأمني والسياسي في القاهرة، والتناقضات داخل الرباعية، رافعًا دائمًا فزاعة “البديل هو الفوضى” وعودة الإسلاميين غير المنضبطين.
الإسلاميون، في هذا السياق، يمثلون العمق الاحتياطي للبرهان. هم يفتقرون إلى القبول الدولي، لكنهم يمتلكون شبكات تنظيمية عابرة للحدود، وكوادر إدارية، وخطابًا تعبويًا قادرًا على تغذية الحرب. قد ينجح البرهان في توظيفهم تكتيكيًا لفترة محدودة، خاصة في ظل الدعم المصري الثابت، وانشغال المجتمع الدولي بملفات عالمية أكثر إلحاحًا، لكنه سيفشل استراتيجيًا.
فالحسم العسكري بات غير ممكن، والشرعية السياسية منقوصة، والاقتصاد منهار، والدولة تتآكل من الداخل. وعليه، فإن ما يجري ليس تناقضًا مصريًا بقدر ما هو اختلاف أدوار داخل الرباعية، يستغله البرهان لشراء الوقت وتأجيل الاستحقاق الحقيقي: صناعة حل سياسي شامل. أما الإسلاميون، فلن يكونوا أكثر من ورقة احتياط مؤقتة في لعبة خاسرة على المدى البعيد.




