
أدهم الضهيب
في زحام الحرب، وبين صخب البيانات السياسية وضجيج المدافع، يوشك ملف التعليم أن يُدفن حيًّا تحت ركام الإهمال. سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح موجع على طاولة رئاسة الوزراء: هل سقط طلاب الهامش – طلاب دارفور وكردفان وجبال النوبة ومناطق السيطرة – من مفكرة الحسابات الوطنية؟ أم أن مستقبلهم بات تفصيلاً مؤجلاً في دفتر حرب بلا نهاية؟
نحن لا نتحدث عن أرقام في تقارير، بل عن آلاف الطلاب في مرحلتي الثانوي والجامعات، يراقبون أعمارهم وهي تتآكل عامًا بعد عام، بينما تُعلَّق أحلامهم على شماعة “انتظار السلام”. لكن أي سلام هذا الذي يبدأ بتعطيل العقول؟ وأي دولة يمكن أن تُبنى فيما جيل كامل يُترك رهينة للتفاوض، والهدن المؤقتة، والدبلوماسية التي تدور في حلقة مفرغة؟
إن ربط مصير التعليم بمآلات الحرب خطيئة وطنية وأخلاقية. فالحرب، بطبيعتها، بلا جدول زمني واضح، بينما التعليم حق إنساني لا يقبل التأجيل. لا يمكن أن يُطلب من الطلاب أن ينتظروا “نهاية الصراع” كي يعودوا إلى مقاعد الدراسة، في وقت لا أحد يملك إجابة صادقة عن موعد هذه النهاية. الانتظار هنا ليس حيادًا، بل قرارًا صريحًا بتدمير المستقبل.
من الأجدر، بل من الألزم، على حكومة “السلام والوحدة” أن تتعامل مع التعليم بوصفه أولوية قصوى، لا ملفًا ثانويًا. المطلوب حلول استثنائية، جريئة، وخلاقة: مراكز امتحانات بديلة، ترتيبات تعليمية مرنة، شراكات داخلية وخارجية، وبرامج إسعافية تضمن ألا يُحرم طالب واحد من حقه بسبب الجغرافيا أو الحرب. فالتعليم ليس رفاهية زمن السلم، بل شرط النجاة في زمن الانهيار.
لقد قدّم المقاتلون في الميادين تضحيات جسامًا، لا ليُترك الوطن في فراغ إداري وتعليمي، بل ليقوم على أسس جديدة، في قلبها إنسان متعلم، واعٍ، وقادر على البناء. لا يمكن الحديث عن “دولة التغيير” فيما المدارس مغلقة، والجامعات صامتة، والطلاب موزعون بين النزوح واليأس.
الشارع السوداني، وخصوصًا أمهات الشهداء، يسألن بمرارة: أين الحكومة؟ ما هو دورها الحقيقي؟ متى يكتمل تشكيلها؟ ومتى نرى وزراء يؤدون القسم لا ليملأوا المناصب، بل ليحملوا المسؤولية؟ ما الذي ستقوله الحكومة لتلك الدماء التي رسمت طريق الخلاص، إن كان أول ما يُهمل في هذا الطريق هو التعليم؟
إن دماء الشهداء لا تُكرَّم بالخطب، بل بالقرارات. تُكرَّم حين يتحول الوطن إلى مساحة آمنة للتعلم، وحين تُفتح أبواب المدارس في دارفور وكردفان وجبال النوبة كما تُفتح في أي بقعة أخرى، دون تمييز أو حسابات سياسية ضيقة.
سيدي رئيس الوزراء، إن القيادة الحقيقية لا تنتظر نهاية العاصفة، بل تُدير السفينة وسط الأمواج. والتعليم هو البوصلة. فهل نرى أفعالًا تسبق الأقوال؟ أم يظل طلاب الهامش وقود صبرٍ لا ينتهي؟




