
محمد احمد قرقر
على مدى ثلاثين عاماً، خضعت البلاد لحكم ديكتاتوري شمولي لم يكتفِ بمصادرة السلطة السياسية، بل سعى بصورة ممنهجة إلى إستلاب الشخصية السودانية وتشويه ملامحها التاريخية والثقافية. فقد اجتهدت العصبة الحاكمة آنذاك في إعادة تشكيل وعي المجتمع عبر قبضة أمنية محكمة، أحكمت بها السيطرة على مصائر الشعب وخياراته، مستخدمة شعار ما عُرف بـ«المشروع الحضاري» غطاءً لنهب الأموال، وتزييف القيم، وتدمير العادات والتقاليد، ومحو الذاكرة الوطنية. وكانت تلك الحقبة، بحق، حقبة كالحة الملامح، مثقلة بالقمع والخوف والفساد.
ومع اقتراب سنوات أفول ذلك النظام، تفاقمت أزماته الداخلية بفعل الصراعات السلطوية الخفية بين مكوناته. صراعات لم تكن سياسية أو فكرية، بل صراعات مصالح ونفوذ، مورست خلالها أبشع أشكال القتل والبطش والتنكيل والإقصاء. ومع ضيق ماعون مشروعهم، طفت الخلافات إلى السطح، وتفككت شبكة الولاءات، وفقد أهل النظام ثقتهم في بعضهم البعض، وانقلبوا إلى معسكرات تتربص ببعضها، حتى جاءت ثورة ديسمبر 2019، وأطاح بهم الشعب السوداني، معبّراً عن رفضه القاطع لاستمرار الاستبداد.
غير أن سقوط رأس النظام لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فقد تركوا البلاد غارقة في أزمة سياسية حادة، في ظل غياب أحزاب سياسية فاعلة قادرة على قيادة الانتقال إلى برّ الأمان. فالأحزاب نفسها تحولت، خلال سنوات الشمولية، إلى كيانات مغلقة ومنغلقة على ذاتها، بعضها أُفرغ من مضمونه، وبعضها الآخر تحوّل إلى واجهات للنظام السابق، بطابع أسري أو جهوي، بعيداً عن القومية والامتداد الشعبي الحقيقي. ولذلك غابت عن الزخم الثوري الذي حرّك الشارع السوداني وأعاد تشكيل الوعي الجمعي.
هذا الفراغ أتاح لأنصار النظام السابق العودة مجدداً، وفرض سيطرتهم على مفاصل القرار السياسي، لا سيما في بورتسودان، عبر نفوذهم داخل القوات المسلحة. واليوم، يراوغ هؤلاء ويرفضون أي اتفاق يمكن أن يقود إلى سلام حقيقي، لأنهم يخشون التحول الجذري في شكل الدولة القادمة؛ دولة تتقدمها الأخلاق العامة، والدستور المدني، والجيش القومي الواحد، وإدارة التنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديد.
والمفارقة أن من عجزوا طوال ثلاثة عقود عن إدارة التنوع السوداني، باتوا اليوم قادرين على توفير الزخيرة، والمسيرات، والصواريخ، بل إن بعضهم لا يخفي رغبته في سيناريو التدخل الدولي، وهو احتمال قد يصبح وارداً إذا ظهرت تنازلات تشبه ما جرى في اتفاقية نيفاشا، التي انتهت بانفصال جنوب السودان. وهو سيناريو يلوح في الأفق، خاصة مع متغيرات ميدانية محتملة، مثل تحرير مدينة الأبيض، الأمر الذي يجعل أي مراقب يدرك أن شيئاً ما يُطبخ في الخفاء.
إن معركة السودان اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي وهوية، ومعركة استعادة الشخصية السودانية من قبضة الاستلاب، وبناء دولة تعبر عن وجدان شعبها، لا عن خوف نخبة عاشت على القمع وتخشى النور.




