قرناص… بوابة الغسيل القذر (الحلقة الخامسة) الشبكات الرمادية: كيف نُهبت ديون السودان عبر نظام مالي بلا ظلّ ولا رقيب؟
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
لم تكن مأساة الديون السودانية نتيجةً للبؤس الاقتصادي وحده، ولا كانت محض تراكماتٍ طبيعية أدّت إليها الحروب والاضطرابات. بل إن جوهر المأساة يكمن في نظام مالي هجين—أقرب إلى العملة الإلكترونية منه إلى أدوات التمويل التقليدية—جرى إدخاله بهدوء إلى الجسد السوداني، ثم تُرك يلتهم موارده وسمعته المالية في آنٍ معًا. نظامٌ تُحسب أرباحه أسبوعيًا، ويمكن تحويله لأي محفظة مالية حول العالم دون علم أي جهة رقابية داخل السودان. وبهذا الباب الصغير وحده، تسللت أكثر من ملياري دولار من الديون التي تضخّمت خارج أي إطار اقتصادي معروف، لتصبح عبئًا ساحقًا ينوء به المواطن ولا تعرف أصلَه الدولة.
هذا النمط من التمويل غير المرئي ليس صناعة فردٍ، بل وليد شبكة. شبكةٌ تجيد الحركة في المناطق التي تلتقي فيها التنمية بالمساعدات، والدبلوماسية بالمصالح، والبيروقراطية بالمال السائب. ولعلّ ما يجعل هذا الملف أخطر من غيره أنّه لم يكن مجرد نهبٍ مالي، بل كان وسيلة لتعطيل السودان، ومنع قيام مشروعاته الاقتصادية الكبرى.
وهنا تبرز ظاهرة “رشا المصرية” بوصفها جزءًا من شبكة أوسع تستنزف السودان وتُبقيه رهينة الفرص المعطّلة. فمصر—التي ترفع لواء “الشرعية والمؤسسية” في السودان—تعلم تمامًا أنّ انهيار هذه الشبكات يهدد مصالح دوائر نافذة، من بينها الطبقة التي تمثلها أمثال قرناص، ممن يملكون القدرة على تعطيل أو تمرير الملفات الاقتصادية الكبرى. ولذلك، فإن أي كشفٍ لدور هذه الشبكات يدفع أطرافًا إقليمية للتدخل أكثر، خشية أن يفقدوا أدوات نفوذهم داخل السودان ما إن يتضح حجم الكارثة.
الشبكة التي أدارت هذا النوع من التمويل لم تكن بحاجة إلى اختراق المؤسسات؛ كانت تعمل فوق مؤسسات الدولة، لا من خلالها. فقد استخدمت واجهات ذات سمعة جيدة—منظمات، برامج تنموية، وحقول عمل إنساني—لإنتاج انطباع زائف بأن كل شيء قانوني ومنسق. وفي الوقت نفسه، ظلت الوزارات المختصة داخل السودان خارج المشهد بالكامل.
أخطر مثال على ذلك يأتي من وثيقة صدرت في 31 مارس 2015 من روما. في ذلك اليوم، أعلن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) عن برنامج تبلغ قيمته 119.2 مليون دولار تحت اسم Livestock Marketing and Resilience Programme. البرنامج يتحدث عن “تعزيز سلاسل القيمة الحيوانية”، و“رفع الإنتاجية”، و“بناء القدرة على مواجهة تغير المناخ”، مع استهداف أكثر من 100 ألف أسرة في ولايات كردفان والنيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق.
لكن السؤال الذي لم يجب عليه أي بيان رسمي: من منح التفويض للتوقيع على واحد من أكبر برامج للثروة الحيوانية في تاريخ السودان الحديث؟ الذي وقع الاتفاقية لم يكن وزير الثروة الحيوانية، ولا أي مسؤول فني في الوزارة. الموقّع كانت أميرة قرناص، بصفتها الممثل الدائم للسودان لدى منظمات الأمم المتحدة في روما وسفيرة السودان لإيطاليا.
وزارة الثروة الحيوانية نفسها—الجهة التي يفترض أن تشرف على البرنامج، وتضع سياساته، وتحدد أولوياته—لم يكن لها علم لا بتصميم المشروع، ولا بموازناته، ولا بجهاته المنفّذة. لم تشارك في صياغته، ولم تُستشر في أولوياته. لقد تم نزع قطاعٍ كامل من يد الدولة وتسليمه إلى شبكة تعمل عبر الخارج.
ختامًا، إن ما حدث في السودان لم يكن مجرد فسادٍ مالي، بل كان هندسة كاملة لاقتصادٍ مشلول، تُصنع فيه الديون خارج الحدود، وتُدار الأرباح عبر محافظ بلا أثر، ثم يُطالب الشعب وحده بدفع الفاتورة. وما لم يُفتح هذا الملف بشجاعة، وبحكمة، وبدون انفعال، فلن يستطيع السودان بناء أي اقتصاد نظيف، ولا أي شرعية سياسية تستحق هذا الاسم.
إن الهدف الآن ليس محاكمة المنظمات الدولية ولا تجريم كل من عمل في الحقل الإنساني؛ فالكثير منهم كانوا ضحايا للضبابية، وليسوا شركاء في الفساد. الهدف الحقيقي هو إغلاق الحلقة: منع إعادة تدوير هذه الشبكات في سودان المستقبل، وفتح الملف أمام مؤسسات حقوقية وقانونية دولية تستطيع، بقدرٍ من النزاهة، تتبع الخيوط التي تربط بين الدَّين، والمساعدات، والدبلوماسية، والسلطة.




