السودان بين الإقصاء والتعدد: ضرورة مشروع وطني ينهض بالمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية
عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا
بعد ذهاب الاستعمار، ظل السودان أسير مشروع سياسي أحادي النظرة، سعى إلى فرض هوية عربية إسلامية على دولة متعددة الأعراق والثقافات والأديان. هذا المشروع، الذي تبنّته النخب المركزية تحت مسمى “أهل الحل والعقد”، لم يكن مجرد خيار ثقافي، بل كان استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل السودان وفق رؤية إقصائية تتجاهل التعدد والتنوع الذي يميز البلاد.
إن مواجهة هذا التاريخ الطويل من الهيمنة الأحادية تتطلب قطيعة جذرية مع هذا المشروع، والاعتراف الصريح بالتعدد الإثني والديني والثقافي. فنجاح أي دولة في السودان اليوم، لا يمكن أن يبنى إلا على أساس المواطنة المتساوية، التي تكفل لكل مواطن حقه في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بغض النظر عن أصله أو دينه أو لغته. بدون هذا الاعتراف، سيظل الصراع السياسي متجذرًا، وسيتواصل تهميش أجزاء واسعة من المجتمع، مع ما يترتب على ذلك من توترات اجتماعية وحروب أهلية.
التوزيع العادل للسلطة والثروة يعد أحد الأعمدة الأساسية لأي مشروع وطني ناجح. السودان غني بالموارد الطبيعية والبشرية، لكنه يعاني من تفاقم الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المركز والأطراف. هذا التفاوت ليس طبيعيًا، بل هو نتيجة سياسات متعمدة لإبقاء الأطراف المهمشة خارج دائرة القرار والموارد. إن إنقاذ السودان يتطلب سياسات تصحيحية تستند إلى العدالة الاجتماعية، وتمكّن كل المواطنين من حقهم في التنمية والرخاء، بعيدًا عن المحسوبية والزبونية.
كما يجب أن يكون هذا المشروع الوطني نابعًا من الداخل، من قوى وطنية صادقة وملتزمة بمصلحة السودان العليا، لا من الخارج، مهما كانت الضغوط أو المحاولات الخارجية لإعادة تشكيل الدولة وفق أجندات إقليمية أو دولية. القوى الوطنية التي ترفض أن تكون أدوات في صراع النخب، والتي تؤمن بأن السودان يتسع للجميع، هي وحدها القادرة على بلورة مشروع متكامل يعالج جذور الأزمة، ويضمن استقرار الدولة وأمن المجتمع.
إن بناء هذا المشروع يتطلب أيضًا تجاوز خطاب الكراهية والتقسيم، وإعادة النظر في المناهج التعليمية والثقافية التي عززت تصور الدولة الأحادية. فالتاريخ السوداني غني بالتجارب الثقافية والسياسية المتنوعة، واحتضان هذا التنوع يجب أن يكون جزءًا من الهوية الوطنية الجديدة، التي تحمي حقوق جميع المواطنين وتضمن لهم المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل الدولة.
باختصار، إنقاذ السودان لا يمكن أن يتم عبر حلول جزئية أو ترقيعية، بل عبر مشروع وطني شامل يقطع مع الماضي الأحادي، ويضع أسس الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم على العدالة والمساواة والحرية، وتحترم كرامة كل السودانيين، وتحقق لهم الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
ختاما الطريق نحو مستقبل السودان يبدأ بالاعتراف بالتعدد، وبناء مؤسسات عادلة، وتطوير دولة تحتضن الجميع، بعيدًا عن مشاريع الإقصاء والتهميش التي دمرت الوحدة الوطنية لعقود.




