رأي

البحث عن شرعية الاستقرار في الخرطوم: إعادة اللاجئين السودانيين قسرًا من مصر نموذجًا

عبد الناصر حمزة

 

عبدالناصر حمزة 

تدخل الحرب التي أشعلتها الحركة الإسلامية في السودان، عبر الجيش المختطف، عامها الثالث، بعد أن تجاوزت الألف يوم منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023، مخلفةً وراءها دمارًا واسعًا، وآلاف القتلى، وملايين المشردين داخل البلاد وخارجها. وقد اضطر غالبية المدنيين، خاصة من ولاية الخرطوم، إلى النزوح نحو دول الجوار بحثًا عن الأمان، حيث لقي كثير منهم استقبالًا كريمًا يليق بالشعب السوداني، في حين واجه آخرون أوضاعًا قاسية اتسمت بالتمييز وسوء المعاملة.

ومع استمرار الحرب وتعقّد مسارات السلام، وفقدان من أشعلوها لأي بوصلة أخلاقية أو وطنية، لجأت الأطراف المتورطة في النزاع إلى استخدام كل أشكال العنف، بما في ذلك الأسلحة المحرّمة دوليًا، وهو ما حوّل الخرطوم إلى مدينة غير صالحة للحياة الآدمية، بفعل التدمير الممنهج وتلوث البيئة، بما في ذلك مصادر المياه، جراء الاستخدام المشتبه به للمواد الكيميائية.

وفي خضم هذا الواقع الكارثي، برز خطاب تضليلي جديد تقوده ذات الجهات، عبر أذرعها الإعلامية، يزعم أن الخرطوم أصبحت “آمنة” بعد انسحاب قوات الدعم السريع منها، ويحث المواطنين على العودة إليها، بل والدعوة إلى قضاء شهر رمضان داخلها، في محاولة مكشوفة لصناعة صورة وهمية عن الاستقرار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد في تطور خطير  إلى تعاون بعض السلطات الإقليمية، وعلى رأسها السلطات المصرية، في ممارسة ضغوط متصاعدة على اللاجئين السودانيين، شملت حملات تضييق وترحيل قسري إلى داخل السودان.

إن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وخرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، والاتفاقيات المنظمة لشؤون اللاجئين، لا سيما في ظل استمرار أسباب الحرب، وعدم توفر الحد الأدنى من مقومات الأمن والحياة الكريمة في مناطق العودة. كما تعكس سعيًا محمومًا لإرسال رسالة سياسية مضللة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحرب قد انتهت، وأن الاستقرار قد تحقق في مناطق سيطرة السلطة العسكرية، وهو ما تكذّبه الوقائع على الأرض.

إن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على السودانيين، خاصة اللاجئين والنازحين، التحلي بأعلى درجات الوعي، وعدم الانجرار وراء هذه النداءات البائسة التي لا تهدف إلا إلى توظيف المدنيين كورقة سياسية، وربما دروع بشرية، في صراع لم تنطفئ نيرانه بعد. فالمفارقة الصارخة أن من يدعون إلى العودة الآمنة، يحرصون على بقاء أسرهم وأبنائهم خارج البلاد، مدركين تمامًا حجم المخاطر التي يحاولون إنكارها.

الحفاظ على الأرواح اليوم هو أولوية قصوى، إلى أن تنجلي هذه الحرب، ويأتي السلام الحقيقي القائم على العدالة والمساءلة، لا على التضليل وفرض الأمر الواقع. ولكل مرحلة حديثها، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!