
د.عبدالله محمد ادم كمبالا
قبل عام، اجتمعت في نيروبي قلوبٌ تطلعت إلى خلاص السودان من براثن الاستبداد والظلم، تحت مظلة تحالف “تاسيس”، توحدت فصائل مسلحة وأحزاب مدنية ومجموعات شعبية، يحملون حلمًا واحدًا: بناء سودان جديد، تسوده العدالة والسلام و كانت اللحظة تاريخية، مشبعة بالأمل، حيث توافد المؤمنون بالمشروع من أصقاع الأرض، حاملين معهم آمال الملايين من السودانيين الذين سئموا الحروب و التمييز والإفقار المتعمد.
لكن بعد عام، أين نحن من تلك اللحظة الفارقة؟ للأسف، لا يبدو أن تحالف “تاسيس” قد خطا خطوة حقيقية نحو تحقيق ما وعد به و لقد تحول الحلم إلى كابوس يومي يعيشه المواطن في المناطق التي يفترض أن التحالف يسيطر عليها، بدلاً من “حكومة السلام” التي وُعدنا بها، نرى فراغًا مؤسسيًا مخيفًا، فلا وزارة للتعليم تُعيد بناء العقول، ولا وزارة مالية تدير الموارد، ولا وزارة عدل تحققه، ولا تخطيط يرسم المستقبل و حتى الأمن، تلك الحاجة الأساسية، أصبح مصدر رعب، حيث تجوب جماعات تلبس زي الدعم السريع و تتحرك بمركباته لتنهب وتختطف و تفرض ضرائب غير قانونية على أناس أعزلين.
والواقع المر يقول:ان المزارع في مناطق سيطرة التحالف يبيع محصوله بأقل من عُشر قيمته في الأسواق الخاضعة للجيش و المريض يضطر لرحلة عذاب تمتد لأيام على ظهور الدواب أو الدراجات النارية، يدفع فيها مبالغ طائلة لينال العلاج الأساسي مع احتمال خطفه في الطريق اكبر من احتمال عودته، فأين معركة التحالف مع الفساد والظلم و الجهل التي وُعدنا بها؟ لقد حل محلها فساد جديد، وظلم جديد، وتجاهل صارخ لمعاناة الناس.
لقد حاولنا، كمؤمنين بالمشروع، لفت انتباه القادة إلى مستوى الإحباط المتصاعد، حاولنا تذكيرهم بأن الثوار الحقيقيين لا يخلفون وعودهم، لكن يبدو أن الصمت و عدم الوضوح وغياب الرؤية هي السمة الغالبة و التساؤل المشروع الذي يطرحه الناس الآن هو: هل كانت هناك رؤية واضحة من البداية؟ أم أن “تاسيس” كان مجرد تحالف تكتيكي، غابت عنه أسس بناء الدولة وفلسفة خدمة المواطن؟
والمواطن الذي رحب بكم، والذي دفع ثمنًا غاليًا لإيمانه بالتغيير، يجدد اليوم سؤاله ايضا: أين المدارس و المستشفيات التي وُعدنا بها؟ أين إعادة بناء الثقة بين المجتمع والسلطة؟ أين محاربة الفساد حينما أصبحت السرقات و الاختطافات تتم باسمكم أو تحت نظركم؟
يا قادة “تاسيس”،
الوقت ليس في صفكم و الأحلام التي حملتموها تتبدد بسرعة، وحصيلتكم بعد عام لا تُسمن ولا تُغني من جوع و الناس لم تعد تنتظر خطابات وشعارات، بل تنتظر فعلًا ملموسًا على الأرض،و تتوقع مؤسسات تعمل، أمنًا يُستعاد، و كرامة إنسانية تُصان.
ان النفق المظلم الذي دخل فيه الناس معكم لم يعد له منفذ يلوح في الأفق و الضوء الذي وعدتم به لم يظهر،لكن المسؤولية التاريخية تقع على عاتقكم اليوم، فإما أن تتحولوا بسرعة من تحالف مسلح إلى مشروع دولة وحكم راشد يبني ويُعمر، وإما أن تتحولوا إلى فصل آخر من فصول معاناة السودانيين، يُضاف إلى سجل الخيبات الطويل.
والخلاصة المؤلمة انكم قد خسرتم ثقة الكثيرين، ولكن الفرصة ما زالت متاحة لإثبات أنكم تستحقون ثقة من تبقى و العمل يبدأ الآن، والعد التنازلي لصبر الناس قد بدأ، فإما فعل يغير الواقع، أو اعتراف بالفشل قبل فوات الأوان، و سيحمد لكم الجميع فضيلة الاعتراف
انتبهوا يا اولي الالباب




