
رشا عوض
تناقلت الوسائط خطابًا للفريق عبد الفتاح البرهان في أحد المساجد، يهاجم قيادات تحالف الصمود ويتوعدهم بأن لا مكان لهم في السودان، وأن الشعب هو من سيطردهم، وذلك بسبب مطالبتهم بالتحقيق في قضية استخدام الجيش للسلاح الكيميائي في حرب الخامس عشر من أبريل.
الخبر الصحيح هو أن السيد عبد الفتاح البرهان، رئيس حزب الجيش، أصدر أوامره بطرد قيادات الأحزاب الأخرى من البلاد، وجرّدهم من حقوق المواطنة، لأنه يعتقد أن البلاد ضيعة مملوكة لحزبه السياسي “المسلح”، يطرد منها من يشاء ويدخل إليها من يشاء مستخدمًا قوة السلاح!
المصيبة هي أن رئيس حزب الجيش يستخدم في معاركه السياسية التنافسية على السلطة أدوات مسروقة من الشعب السوداني!
أولًا: يسرق اسم الجيش المفترض أن يكون “مؤسسة وطنية وظيفتها حماية حدود الوطن والدفاع عن شعبه دون تمييز على أسس سياسية أو إثنية أو مناطقية”، والبرهان بصفته قائدًا عامًا للجيش من أوجب واجباته أن يكون الأكثر حرصًا على تجسيد وظيفة الجيش، فلا يجوز له مطلقًا الانخراط في معارك سياسية ومهاترات مع قيادات حزبية، لأنه ببساطة ليس قائدًا لحزب سياسي! وبهذا فإنه يسرق ألسنة ضباط وجنود الجيش ويجعلها ناطقة بأحلامه وأطماعه السلطوية!
ثانيًا: يسرق لسان الشعب السوداني ويزعم أن الشعب هو من لا يسمح بوجود قيادات القوى المدنية في السودان، أليس هذا الشعب هو نفس الشعب الذي خرج منه آلاف المتظاهرين وهتفوا قائلين: “نحن الشعب ونحن القوة ويا برهان جاينك جوة”، وحينها كانوا يطالبونه بالرجوع عن انقلابه وإعادة السلطة للمدنيين الذين يزعم الآن أن الشعب سيطردهم؟ لماذا لم يسمع كلام الشعب في ذلك الوقت بل رد عليه بالرصاص الحي فأزهق أرواح مائة وعشرين شهيدًا!!
ثالثًا: يسرق مال الشعب السوداني! إذ إن سلاح الجيش الذي يستقوي به سياسيًا على خصومه من القوى المدنية مدفوع ثمنه من مال دافع الضرائب السوداني ومن ثروة السودان القومية، ولذلك يجب أن يكون سلاحًا مسخرًا لحماية كل السودانيين، وليس موظفًا لإقصاء أو قمع مكونات سياسية لخدمة الأطماع السياسية لفرد واحد أو لفصيل سياسي معين، والفصيل المعني هنا هو الحركة الإسلامية اسمًا الإجرامية فعلًا، إذ إنها وحدها من تمتلك حصريًا حق التعقيب على ما يقوله البرهان، بل تمتلك حق مخالفة أوامره وتهديده، ومن حق أبواقها المشروخة توجيه الإساءات والتهديدات المباشرة والمبطنة له دون أن نسمع له ردًا!!
لماذا؟ لأن هذه الحركة هي الحزب المتحكم في مفاصل الجيش ويمتلك كتائب الظل (جيوشه الخاصة)، وبالتالي فهي تمتلك حق الفيتو في الجيش! ففي الوقت الذي يُحاكم المدنيون باتهامات بالخيانة العظمى بسبب عدم اصطفافهم خلف الجيش، نجد أبواق الكيزان أثناء حرب الكرامة المزعومة هذه توجه أبلغ الإساءات لقائد الجيش! ويتم تكريمها في التلفزيون الرسمي!
بالعودة إلى قضية استخدام الأسلحة الكيميائية، لماذا لا يسمح الجيش بإجراء تحقيق مهني من جهات دولية مستقلة ومؤهلة فنيًا لهذه المهمة حتى تنفي أو تثبت استخدام هذه الأسلحة؟ ما دام قائد الجيش متأكدًا من عدم تورطه في أي استخدام للسلاح الكيميائي، فلماذا يعارض التحقيق الذي سيثبت براءة الجيش بصورة بالأدلة العلمية ويُخرس ألسنة الخونة الذين اتهموه زورًا؟ لماذا الخوف من التحقيق وهو الوسيلة الوحيدة العلمية والمحترمة للنفي أو الإثبات؟
هل السبب هو أن هذا السلاح استُخدم بالفعل وهم يرغبون في التستر على الأمر تهربًا من دفع الثمن السياسي؟ ولو كان الأمر كذلك فمن الذي يجب اتهامه بالخيانة العظمى؟ الذي سمم الهواء والماء والتربة بمواد كيميائية ستدمر صحة ملايين المواطنين في الحاضر والمستقبل؟ أم الذي يطالب بكشف الحقيقة بطرق علمية ومهنية، والهدف من التحقيق ليس مجرد تجريم الجيش وحلفائه، بل الهدف الأهم هو تحديد مكان التلوث وقياس حجمه ووضع معالجات علمية وتقنية لإزالة آثاره ووضع التوصيات الصحية التي تساعد المواطنين على حماية أنفسهم من الأضرار.
لماذا الخوف من التحقيق الشفاف؟ ولماذا تجريم من يطالب به رغم أن هناك أسبابًا موضوعية تثير الشكوك حول استخدام السلاح الكيميائي، وهي تواتر مؤشرات وقرائن أحوال، فهناك أمراض وحميات قاتلة، وارتفاع في معدل الوفيات بصورة مخيفة في بعض المناطق، ونفوق حيوانات وأسماك بأعداد كبيرة، كما أن هناك سوابق في حروب السودان السابقة لاستخدام أسلحة محرمة في دارفور وثقتها تقارير دولية.




