رأي

عجل السامري رسالة ترك الأخطر على شرق السودان.

منال علي محمود

 

 منال علي محمود

manal002002@gmail.com 

 

في مؤتمر هداليا بشرق السودان، جاء خطاب الناظر محمد الأمين ترك كموقف سياسي واضح لا يحتمل التأويل ولا يمكن التعامل معه بوصفه حديثاً عفوياً في جمع بسيط.

كان خطاباً محسوباً، موجهاً، ويحمل رسالة جديدة وخطيرة في سياق الصراع السوداني.

حديث ترك عن أن «الكوز يعني الإناء الذي نشرب به» لم يكن شرحاً لغوياً ولا محاولة تفسير، بل محاولة واعية لإعادة تعريف مصطلح سياسي راسخ في الذاكرة السودانية. فـ«الكوز» ليس مفردة لغوية محايدة، بل توصيف ارتبط تاريخياً بحركة سياسية–أيديولوجية حكمت البلاد باسم الدين، وارتكبت انتهاكات واسعة لا تزال آثارها حاضرة في الواقع ،الخراب والانقسام.

غير أن جوهر الخطاب، وخطورته الحقيقية، تجلت في الرسالة التالية، عندما دعا المعارضين إلى ما سماه «شجاعة الوضوح»، مطالباً إياهم بالإعلان بأن رفضهم ليس للحكومة، بل «للإسلام الذي يمثله الكيزان». عند هذه النقطة، انتقل الخطاب من تبرير سياسي إلى تأسيس معادلة إقصائية خطيرة:

من يعارض السلطة، يُقدَّم بوصفه معارضاً للإسلام.

هذا الطرح لا يفتح نقاشاً، بل يغلقه ، ويحوّل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي، يُجرَّم فيه الخصم أخلاقياً ودينياً، وتُرفع عنه صفة المواطنة، تمهيداً لعزله أو استباحته. وهو منطق عُرف في السودان، وكانت نتائجه دائماً مزيداً من الحروب والانقسامات.

اللافت أن هذا الخطاب جاء في مؤتمر قاطعته معظم مكونات الشرق، في إشارة واضحة إلى رفض احتكار التمثيل، ورفض الزج بالقبائل في معركة سلطة لا تعبّر عن مصالحها. ولم يحضر المؤتمر سوى القليل من بسطاء الهدندوة، ما يؤكد أن الرسالة لم تجد قبولاً واسعاً حتى داخل الحاضنة الاجتماعية التي جرى التحدث باسمها.

إن مساواة الكيزان بالإسلام ليست دفاعاً عن الدين، بل جرم في حقه . فالإسلام، كقيمة جامعة، لا يمكن أن يُختزل في جماعة سياسية مارست الإقصاء والفساد، وأسهمت في تمزيق السودان وفصل جنوبه وإغراق ما تبقى في حرب مفتوحة.

السياق السياسي يوضح أكثر، فالسلطة القائمة في بورسودان تعاني من أزمة شرعية حقيقية، ومع تراجع القبول الشعبي، يجري استجلاب الدين والقبيلة كآخر خطوط الدفاع. وفي هذا الإطار، يصبح خطاب ترك جزءاً من محاولة منظمة لإعادة إنتاج الشرعية عبر التخويف الديني، لا عبر التفويض الشعبي أو الإجماع الوطني.

ما يجب قوله بوضوح لا لبس فيه.

معارضة هذه السلطة ليست عداءً للإسلام.

ورفض الكيزان ليس رفضاً للدين، بل رفض لتحويله إلى أداة قمع وتخوين.

إن أخطر ما في خطاب ترك أنه يسعى لفرض معادلة زائفة،

إما القبول بالسلطة… أو الاتهام بالعداء للإسلام.

وهي معادلة فاسدة، جرّبها السودانيون من قبل، ودفعوا ثمنها غالياً.

فالشرق أكبر من أن يُستخدم كمنصة.

والدين أنقى من أن يُستعمل كدرع سياسي.

والسودان لن يُحكم إلى الأبد بخطاب التخويف.

 

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن لحظة الانهيار التي يعيشها مشروع الإسلاميين في السودان. فعندما تتآكل السلطة سياسيًا، وتنهار أخلاقيًا، وتفقد قدرتها على الإقناع، تلجأ إلى تحويل الصراع من سؤال حكم إلى سؤال إيمان. ما قيل في هداليا يأتي في هذا السياق تحديدًا، حيث لم يعد الدفاع عن السلطة ممكنًا بأدوات السياسة، فتم استخدام الدين كآخر خطوط الحماية.

إعادة تعريف المصطلحات هنا هو جزء من هذا التحول. نزع المعنى السياسي عن كلمة “كوز” ومحاولة تحميلها بدلالة دينية محايدة، يفتح الباب لنقل الخصومة من مجال المساءلة إلى مجال العقيدة. ومن ثم يصبح الرفض السياسي فعلًا مشبوهًا، لا لأنه يعارض السلطة، بل لأنه يُقدَّم باعتباره موقفًا من الإسلام نفسه.

في هذا الإطار، لا تكون الدعوة إلى “الشجاعة” سوى مطالبة صريحة بالخروج من مساحة الرفض السياسي الآمن، والدخول في مواجهة اجتماعية وأخلاقية مباشرة. المطلوب ليس إعلان موقف من حكومة، بل إعلان موقف من دين، كما يعرّفه أهل الحكم. وهي معادلة لا تعكس قوة، بل خوفًا من فقدان ما تبقى من الحواضن.

ما جرى في هداليا هو امتداد لخطاب قديم يتجدد كلما ضاقت الخيارات، يقوم على الخلط المتعمد بين الدولة والعقيدة، وعلى استخدام الدين كأداة فرز وحصار سياسي، في لحظة بات فيها السؤال الحقيقي خارج قدرتهم على الإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!