رأي

حين تتحول الشاشة إلى مصنع للأفك: عقدان من الدعاية السوداء باسم الخبر

أبو عبد الله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

إذا فسد المنبر، ضلّ السامعون، ولو حسُن الصوت، فإن العطب في المعنى لا في النبرة

ليست المشكلة في صحفي أخطأ، ولا في مراسل تجاوز، بل في منبرٍ كاملٍ اختار، على مدى أكثر من عقدين، أن يبدّل وظيفة الإعلام: من مساءلة السلطة إلى خدمتها، ومن كشف الزيف إلى إعادة تدويره بلغة أنيقة. في التجربة السودانية، حيث اختلط الدم بالسياسة، والدولة بالميليشيا، كان الإعلام—أو بعضه—فاعلًا لا شاهدًا، ومحرّضًا لا ناقلًا، وشريكًا في إطالة عمر الكذب أكثر من كونه أداة لفضحه.

مدير قناة الجزيرة في السودان، وفق ما يراه طيف واسع من الصحفيين والنقّاد، لم يكن مجرّد إداري يشرف على غرفة أخبار، بل مهندس سرديات، صاغ الخط التحريري بما يخدم اصطفافات معلومة، ومارس—لسنوات طويلة—نمطًا متكررًا من التلاعب بالرأي العام، عبر الخلط المقصود بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والتأويلات السياسية. لم يكن ذلك نتاج اجتهاد مهني بريء، بل مسارًا تراكمت فيه الأخطاء حتى صارت بنية قائمة بذاتها.

خلال سنوات حكم الإنقاذ، حين كانت آلة القمع تعمل بدمٍ بارد، وحين تحوّلت الدولة إلى شركة خاصة تديرها جماعة أيديولوجية، احتاج النظام إلى خطاب إعلامي يغسل الجرائم، ويخفف وقع الفظائع، ويحوّل المذابح إلى “أحداث”، والانتهاكات إلى “تجاوزات”، والضحايا إلى أرقام بلا أسماء. هنا، يقول منتقدون، لعب الإعلام الموجَّه دور الغطاء الناعم، الذي لا يبرر الجريمة صراحة، لكنه يطمس سياقها، ويُربك معناها، ويُبعد المسؤولية عن فاعليها.

المشكلة لم تكن في ما قيل فقط، بل في ما مُنع من القول. في تغييب الأصوات، وانتقاء الضيوف، وإعادة تدوير “خبراء” بعينهم، وإقصاء روايات الضحايا حين لا تخدم الخط العام. ومع كل منعطف سياسي، كان الخطاب يتبدل شكليًا، لكنه يحتفظ بجوهره: إدارة الوعي، لا خدمته.

وحين اندلعت الثورة، ثم تعقّدت المرحلة الانتقالية، ثم انفجرت الحرب، ظن كثيرون أن لحظة المراجعة قد حانت. لكن ما حدث، بحسب قراءات نقدية، هو العكس: تضاعف الخلط، واتسعت المساحات الرمادية، وصار “التحليل” بابًا خلفيًا لتمرير مواقف حادة في ثوب مهني. ومع الوقت، لم يعد المشاهد يسأل: هل هذا صحيح؟ بل: لمن يُقال هذا؟ ولماذا الآن؟

القضية الأخيرة التي فجّرت الجدل لم تأتِ من فراغ. بثّ معلومات قضائية غير مكتملة، وتقديمها كأنها أحكام منتهية، ثم إعادة نشرها عبر المنصات الرقمية، لم يكن مجرد تجاوز للمعايير، بل اعتداء مباشر على قرينة البراءة، ومحاولة لتأثيث رأي عام مسبق ضد شخص بعينه. هنا، سقط القناع نهائيًا: لم تعد الشاشة ناقلًا للوقائع، بل صارت أداة ضغط، تستقوي بالمنبر على القانون.

الأخطر أن هذا السلوك، حين يصدر عن مؤسسة إعلامية عابرة للحدود، لا يبقى خطأ فرديًا يُحتوى بقرار إداري، بل يتحول إلى سابقة خطيرة: أن الإعلام يمكنه أن يحاكم، ويدين، ويشهّر، دون مساءلة. وهي رسالة مدمّرة في بلد هشّ كسودان اليوم، حيث القضاء نفسه يتعرض للضغط، وحيث ما تبقى من الثقة العامة يتآكل تحت وطأة الحرب والاستقطاب.

إن إنهاء التعاقد مع مراسل، أو تقديم استقالة متأخرة، لا يكفي لمعالجة جذر المشكلة. المسألة أعمق من شخص، وأوسع من واقعة. إنها تتعلق بثقافة مؤسسية سمحت لعقود بتسلل الدعاية السوداء إلى غرف الأخبار، وبغياب آليات المحاسبة الداخلية، وبفشل واضح في الفصل بين الخط التحريري والمصالح السياسية.

ما يطالب به الصحفيون المستقلون، والحقوقيون، وقطاعات واسعة من الجمهور، ليس الانتقام، ولا تصفية الحسابات، بل مراجعة أخلاقية شاملة تعيد تعريف معنى الصحافة في زمن الانهيار. مراجعة تعترف بأن الحياد لا يعني الوقوف بين الحقيقة والزيف، بل الانحياز الصارم للوقائع، وبأن “التوازن” لا يكون بين الجلاد والضحية، بل بين الدقة والشجاعة.

الإعلام، حين يفشل، لا يخطئ وحده؛ بل يضلّل مجتمعًا بأكمله. وحين يمارس ذلك الفشل لأكثر من عشرين عامًا، لا يعود من المقبول تسميته زلّة، ولا تبريره بالظروف. إنه اختيار. اختيار أن تُدار الشاشة كمنبر للأفك، لا كمساحة للحقيقة.

وفي لحظة كهذه، لا يكون سقوط الأفراد هو الخبر، بل انكشاف البنية التي صنعتهم وحمتهم. فزمن الكذب، حين يرتدي بدلة المراسل، لم يعد محصنًا من الحساب. وربما، للمرة الأولى، بات السؤال مطروحًا بوضوح: أي إعلام نريد؟ شاهدًا على الخراب، أم شريكًا في وقفه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!