
سمية النور دهب ،، دبلن
أسوأ أشكال الظلم أن تعرف الحقيقة، ثم تختار أن تقف في صف القوة لا في صف العدالة
ليست كل الخيانات صامتة. بعضُها يُصاغ بعناية في بيانات رسمية، ويُقدَّم بلهجة دبلوماسية باردة، بينما تكون نتائجه أكثر فتكًا من الرصاص. فحين تُطلق دولة ذات نفوذ إقليمي ثقيل رواية غير محققة حول جريمة إنسانية، فإنها لا تكتفي بالتعبير عن موقف سياسي، بل تساهم عمليًا في إعادة إنتاج الجريمة على مستوى الخطاب، وتمنح الجناة غطاءً لا يقل خطورة عن السلاح.
ما أقدمت عليه المملكة العربية السعودية بتبنّي اتهامات متعجلة بشأن استهداف قافلة إغاثة إنسانية في السودان لا يمكن قراءته بوصفه زلّة دبلوماسية عابرة، بل هو موقف سياسي كامل الأركان، له تبعات أخلاقية وقانونية وإنسانية مباشرة. فالقضية هنا لا تتعلق بخلاف سرديات، وإنما بمبدأ جوهري اسمه الحياد الإنساني، وهو المبدأ الذي يفترض أن يكون خطًا أحمر لا يُمس، خاصة حين تكون أرواح المدنيين على المحك.
الخطير في هذه الواقعة ليس فقط توجيه اتهام دون انتظار تحقيق دولي مستقل، بل التسرع في الاصطفاف داخل نزاع دموي معقّد، تُرتكب فيه فظائع موثقة، ويُستخدم فيه القصف العشوائي والتجويع كسلاح حرب. إن تبنّي رواية طرف قبل اكتمال التحقيقات لا يطمس الحقيقة فحسب، بل يعمّق الشكوك حول نوايا من يفعل ذلك، ويقوّض الثقة في أي حديث لاحق عن دعم الاستقرار أو حماية المدنيين.
السعودية ليست دولة هامشية في المشهد السوداني. هي لاعب إقليمي مؤثر، وكلمتها محسوبة، ومواقفها تُقرأ باعتبارها رسائل سياسية لا مجرد آراء. لذلك، فإن أي انحياز غير مدروس يصير مسؤولية مضاعفة. وحين يصدر هذا الانحياز في سياق نزاع ترتكب فيه انتهاكات جسيمة، فإن الصمت عن الجناة أو توفير مظلة سياسية لهم يتحوّل إلى مشاركة غير مباشرة في إدامة المأساة.
الأكثر فداحة هو التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن بمحاربة التطرف، وبين واقع الممارسة السياسية التي تصب نتائجها في مصلحة قوى إسلاموية مسلحة، عاثت في الريف السوداني قتلًا وتهجيرًا وتدميرًا، وجعلت من النساء والأطفال وقودًا لحرب بلا أخلاق. هذه ليست ازدواجية معايير فحسب، بل إفلاس أخلاقي مكشوف، لا يمكن تبريره بلغة المصالح أو توازنات الإقليم.
نساء الريف السوداني، اللواتي تحمّلن عبء الحرب الأكبر، لا يحتجن إلى بيانات تُكتب من خلف المكاتب الفخمة، ولا إلى روايات تُفصَّل وفق حسابات سياسية. هن يحتجن إلى حقيقة، وإلى عدالة، وإلى موقف دولي لا يساوم على دمائهن. وحين يخرجن إلى العلن، مطالبات بتحقيق مستقل، فإنهن لا يفعلن ذلك بدافع الخصومة أو الكيد السياسي، بل بدافع البقاء، ورفض تحويل معاناتهن إلى مادة للتلاعب الدبلوماسي.
التاريخ علّمنا أن الحياد الزائف أخطر من العداء المعلن. وأن صمت الأقوياء، أو كلامهم المضلل، كان دائمًا شريكًا أصيلًا في الجرائم الكبرى. فلا العدالة تُبنى على بيانات منحازة، ولا السلام يولد من رحم التضليل.
إن كانت المملكة العربية السعودية صادقة في ادعاءاتها بدعم الاستقرار ومحاربة التطرف، فالطريق واضح ولا يحتاج إلى اجتهاد: الالتزام الصارم بالحياد، دعم تحقيق أممي مستقل، والتراجع عن أي اتهامات غير مدعومة بالأدلة. أما الاستمرار في تبنّي روايات طرف في حرب مفتوحة، فلن يُقرأ إلا باعتباره سقوطًا أخلاقيًا، ومشاركة سياسية في جريمة لم تنتهِ بعد.
في لحظات التاريخ المفصلية، لا تُقاس الدول بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله حين تُختبر العدالة. وهنا، للأسف، سقط القناع.




