
نجم الدين دريسة
الهُوية لا تُختار كما تُختار الرايات، بل تُعاش كما يُعاش الهواء.
في المنعطفات الكبرى من تاريخ الشعوب، يطفو سؤال الهوية على السطح، لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل باعتباره ضرورة وجودية. غير أن الخطورة لا تكمن في السؤال ذاته، بل في الطريقة التي يُصاغ بها، وفي الغايات التي يُساق إليها. فحين يتحول النقاش حول الهوية إلى ساحة اصطفاف، يفقد معناه المعرفي ويتحوّل إلى أداة تعبئة وانقسام.
السودان، بتاريخه الممتد وجغرافيته المفتوحة، ليس كيانًا أحادي البنية ولا مجتمعًا مغلقًا على سردية واحدة. هو مساحة تلاقٍ، تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين شعوب وثقافات وديانات ولغات متعددة. هذا التراكم لم يكن استثناءً طارئًا، بل هو الأصل الذي تكوّن منه الوجدان الجمعي السوداني.
الهوية، في معناها العميق، ليست بطاقة تعريف صلبة، ولا قالبًا نهائيًا. هي عملية مستمرة من التشكل، تتأثر بالسياق التاريخي، وبحركة البشر، وبشبكات المصالح، وبالإبداع الثقافي. إنها كائن حيّ يتطور مع الزمن، ويتسع بقدر ما يُمنح من حرية، ويضيق كلما أُحصر في ثنائيات حادة.
المجتمعات التي تحاول اختزال هويتها في بُعد واحد غالبًا ما تجد نفسها في مواجهة ذاتها. فالإصرار على تعريف الإنسان من زاوية واحدة عرقية كانت أو لغوية أو دينية يعني إهمال بقية طبقات تجربته. والنتيجة تكون صراعًا داخليًا بين مكونات كان يمكن أن تتكامل بدل أن تتنافر.
في السودان، كما في كثير من البلدان متعددة التكوين، يمكن النظر إلى التنوع بوصفه فرصة لا عبئًا. فالتعدد اللغوي، وتنوع العادات، واختلاف أنماط العيش، ليست علامات انقسام بقدر ما هي دلائل ثراء. المشكلة تبدأ عندما يُعاد تأطير هذا الثراء باعتباره تهديدًا، أو حين تُستخدم الهوية كوسيلة للفرز والإقصاء.
السياسة، حين ترتقي إلى مستوى المسؤولية، تدير التعدد وتحوله إلى طاقة إيجابية. لكنها حين تنحدر إلى مستوى الاستقطاب، تستثمر في المخاوف وتعيد إنتاجها. وحين تُستدعى الهوية كوقود للمعارك، تُفرّغ من بعدها الثقافي والإنساني، وتتحول إلى شعار صاخب يعلو على حساب العقل.
الهوية السودانية، في جوهرها، ليست سؤالًا عن نقاء أو انتماء حصري، بل تجربة تاريخية تشكّلت من التفاعل والتبادل. هي نهر اختلطت فيه الروافد، لا يمكن فصل أحدها دون أن يتغير مجراه كله. وكل محاولة لاقتطاع جزء ورفعه فوق بقية الأجزاء تُحدث خللًا في الصورة الكاملة.
إن التصالح مع التعدد يبدأ بالاعتراف به، لا بمحاولة إنكاره. والاعتراف لا يعني الذوبان أو التنازل، بل إدراك أن قوة المجتمع تكمن في قدرته على احتواء الفروق ضمن إطار جامع. هذا الإطار لا يُبنى بالشعارات، بل بمشروع وطني يعلي قيمة المواطنة، ويضع القانون فوق الانتماءات الضيقة.
المواطنة هنا ليست مفهوماً إجرائياً فحسب، بل عقدًا أخلاقيًا يضمن المساواة والكرامة للجميع. عندما يشعر الفرد أن انتماءه الوطني لا يتعارض مع خصوصيته الثقافية، تزول الحاجة إلى الدفاع المستميت عن هوية مهددة. وعندما تُدار الدولة على أساس العدالة، يتراجع وهج الأسئلة المصطنعة.
قد لا يكون التحدي الحقيقي في تعريف من نحن، بل في الاتفاق على كيف نعيش معًا. فالهويات الجامعة لا تُفرض من أعلى، ولا تُستورد جاهزة، بل تُصاغ عبر الحوار والتجربة المشتركة. وهي تظل مفتوحة، قابلة للإثراء، ما دامت تعترف بأن الاختلاف ليس عيبًا يجب إخفاؤه، بل حقيقة يجب تنظيمها.
السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعيد ترتيب الأولويات: من سؤال “من نحن؟” إلى سؤال “كيف نبني وطنًا يتسع لنا جميعًا؟”. ففي اللحظة التي يصبح فيها الانتماء مصدر تضامن لا تنازع، تتحول الهوية من ساحة صراع إلى مساحة لقاء.
وهكذا، لا تكون الهوية متراسًا يُختبأ خلفه، بل جسرًا يُعبر عليه نحو مستقبل أكثر تماسكًا واتزانًا.




