رأي

التناقض المصري في السودان… بين خطاب الاستقرار وشبكات الهيمنة الخفية

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

لم يكن إسقاط مقترح رفع تجميد عضوية السودان داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي حدثاً إجرائياً عابراً، بل كشف بوضوح عن تعقيدات الصراع الإقليمي حول مستقبل الدولة السودانية، وحدود الدور الذي تسعى إليه مصر في إعادة تشكيل موازين السلطة داخل الخرطوم. فالمسألة لا تتعلق فقط بعودة حكومة يقودها عبد الفتاح البرهان إلى مقعد دبلوماسي، وإنما بصراع أعمق حول طبيعة الدولة السودانية نفسها: هل تكون دولة مدنية مستقلة القرار، أم ساحة نفوذ تُدار عبر تحالفات أمنية وشبكات أيديولوجية عابرة للحدود.

القراءة السياسية للسلوك المصري تكشف ازدواجية يصعب تجاهلها. 

ففي العلن، يرفع النظام الذي يقوده عبد الفتاح السيسي شعارات محاربة الإسلام السياسي وحماية استقرار الدول الوطنية .لكن في السياق السوداني تحديداً، تتبدى ممارسات مختلفة تماماً، إذ يبدو أن معيار القاهرة ليس الأيديولوجيا بقدر ما هو ضمان النفوذ والتحكم في المجال الحيوي الجنوبي. ومن هنا ينشأ التناقض الصارخ: محاربة تنظيمات الإسلام السياسي داخلياً، مع الانفتاح على توظيف بقايا الشبكات الإسلاموية خارجياً عندما يخدم ذلك معادلة النفوذ الإقليمي.

هذا التناقض لا يمكن فهمه بعيداً عن تصور جيوسياسي قديم يرى في السودان عمقاً استراتيجياً ومجالاً أمنياً تابعاً. فالدولة التي تمتلك موارد زراعية ومائية وبشرية هائلة تمثل، في الحسابات الباردة للسلطة، عنصراً يجب إبقاؤه في حالة هشاشة مُدارة لا تسمح له بالتحول إلى مركز قوة مستقل. ومن هنا تتكرر أنماط الدعم غير المباشر لقوى تعيق الانتقال الديمقراطي، لأن الدولة المدنية المستقرة تعني ببساطة خروج السودان من دائرة التبعية.

لكن الأزمة الأعمق لا تكمن فقط في الدور المصري، بل في قابلية البنية السياسية السودانية نفسها للاختراق. فاستدعاء الخارج ظل لعقود أداة تستخدمها النخب المتصارعة لحسم معاركها الداخلية، ما حوّل القرار الوطني إلى ملف تفاوضي في عواصم الإقليم. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تدعم مصر طرفاً بعينه؟ بل: لماذا يظل الداخل السوداني عاجزاً عن إنتاج توازن وطني يمنع أي تدخل خارجي من أن يكون حاسماً؟

أما على مستوى الخطاب، فإن مفارقة القاهرة تتجلى في الجمع بين لغة الوساطة والسلام من جهة، وممارسات تعيد إنتاج شروط الصراع من جهة أخرى. فالوساطة التي لا تقوم على دعم انتقال مدني حقيقي تتحول عملياً إلى إدارة للأزمة لا إلى حل لها. وإدارة الأزمات، في كثير من الأحيان، تكون أكثر فائدة للفاعلين الإقليميين من إنهائها، لأنها تضمن استمرار أوراق الضغط والنفوذ.

في المقابل، لا يمكن إعفاء التيار الإسلاموي السوداني من مسؤوليته التاريخية في فتح الباب لهذا النوع من التوظيف الخارجي. فالمشروع الذي خلط بين الدولة والتنظيم، وبين العقيدة والسلطة، خلق هشاشة بنيوية جعلت السودان عرضة للتدخلات. وعندما تتقاطع مصالح هذا التيار مع حسابات إقليمية، يصبح الوطن نفسه ساحة مقايضة سياسية، لا إطاراً جامعاً للسيادة.

إن إسقاط مقترح إعادة العضوية لا يغيّر جوهر الأزمة السودانية، كما أن إبعاد شخصية عسكرية من مسار تفاوضي إقليمي مثل الإيقاد لن يحل معضلة الدولة المختطفة. فالمشكلة الحقيقية أعمق بكثير: غياب مشروع وطني مدني قادر على كسر الحلقة المفرغة بين العسكر، والإسلامويين، والتدخلات الإقليمية.

وعليه، فإن فضح التناقض المصري ليس غاية في ذاته، بل خطوة ضمن ضرورة أوسع: إعادة تعريف الصراع باعتباره صراع استقلال وطني قبل أن يكون صراع سلطة. فالدول لا تُبنى بالاستقواء بالخارج، ولا بالارتهان لمحاور الإقليم، بل ببناء شرعية داخلية تستند إلى إرادة شعبية حرة ومؤسسات مدنية مستقلة.

يبقى السؤال الحاسم: هل يدرك السودانيون أن معركتهم الحقيقية ليست مع دولة بعينها، بل مع بنية سياسية تسمح لأي دولة بأن تتحول إلى لاعب داخلي؟ عندها فقط يمكن أن يفقد الخارج قدرته على التأثير، وتتحول الجغرافيا من ساحة نفوذ إلى فضاء سيادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!