رأي

الاقتصاد السوداني بين إرث الماضي وأرقام الحاضر 

د.دقاش حسب الله دقاش

 

د.دقاش حسب الله دقاش

إن الاقتصاد السوداني يمثل إحدى أبرز المفارقات التنموية في العصر الحديث؛ فهو بلد حباه الله بثراء طبيعي نادر، ومنحه موقعاً جغرافياً فريداً، وجعل أرضه خزينة مفتوحة من الموارد المتجددة وغير المتجددة، بيد أن إنسانه لا يزال يعاني ضيق العيش وتدني مستويات الرفاه. لقد أدرك الأجداد بالفطرة السليمة معادلة العمران الأولى: أن الوطن يقوم على موارد وإنسان وقرار، فصانوا الأرض وأحيوا السواقي وحفظوا المرعى، إدراكاً منهم أن العز لا يُستورد وإنما يُستنبط من باطن التربة وخير النهر. وتلك القيمة التي ما تزال تتردد في وجداننا: جدودنا زمان وصونا على الوطن وعلى التراب الغالي الما ليه تمن.

واليوم حين نعرض هذا الإرث الموروث على ميزان التحليل الاقتصادي، تتكشف أمامنا حقيقة صادمة؛ كيف لوطن يمتد من بورتسودان على ساحل البحر الأحمر إلى نمولي على حدود يوغندا، ومن الجنينة في دارفور إلى كسلا عند سفح التاكا، ويضم بين جنباته أنهاراً ومعادن وأراضٍ خصبة وثروة حيوانية، أن يظل شعبه رهين الفقر والحاجة؟ إن هذه المفارقة لا تُفسَّر بالعاطفة ولا تُبرَّر بالتاريخ، بل تستدعي وقفة تحليلية جادة تبدأ بتشخيص الواقع بالأرقام، لأن الأرقام لا تجامل ولا تحابي. وعليه فإن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مركزية: أن أزمة الاقتصاد السوداني ليست أزمة موارد وإنما أزمة إدارة وأزمة رؤية وأزمة قرار.

حين نمعن النظر في واقع الاقتصاد السوداني تتجلى أمامنا دوائر من الثروة ظلت عصية على الاستثمار الأمثل. ففي باطن الأرض يمتلك السودان احتياطياً مؤكداً من الذهب يُقدّر بـ 1550 طناً وفق هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية، ويبلغ إنتاجه السنوي ما بين 80 إلى 100 طن، إلا أن 70 بالمائة من هذا الإنتاج يخرج عبر قنوات التهريب وفق تقارير بنك السودان المركزي. ولا يقف الأمر عند الذهب، فالأرض السودانية تزخر بـ 700 ألف طن من خام الكروم في جبال الإنقسنا، وأكثر من 100 ألف طن من المنجنيز، ونحو 53 مليون طن من الأسبستوس، و25 مليون طن من التلك، و150 مليون طن من الجبس، و1.2 مليون طن من الكاولين، و15 مليون طن من المغنسيت. كما يحوز احتياطياً مؤكداً من البترول يُقدّر بـ 5 مليارات برميل، وغازاً طبيعياً يبلغ 3 تريليون قدم مكعب، غير أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 50 ألف برميل يومياً بعد انفصال الجنوب، في حين كان يتجاوز 450 ألف برميل يومياً قبل عام 2011.

وفوق الأرض يمتلك السودان 170 مليون فدان صالحة للزراعة لم يُستغل منها سوى 40 مليون فدان، أي أقل من 25 بالمائة، في حين ينتظر 130 مليون فدان يد الساقية والتراكتور. ومشروع الجزيرة وحده بمساحته البالغة 2.2 مليون فدان كان ينتج 60 بالمائة من قطن أفريقيا قبل سبعينات القرن الماضي. واليوم يحتل السودان المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج السمسم بعد الهند والصين بإنتاج يتجاوز 900 ألف طن سنوياً، ويستأثر بـ 80 بالمائة من إنتاج الصمغ العربي في العالم، حتى باتت المشروبات الغازية العالمية تُصنّع بصمغ سوداني. ومع ذلك تبلغ الخسائر بعد الحصاد في محاصيل العيش الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن أكثر من 30 بالمائة بسبب سوء التخزين.

وأما المراعي والمياه فالثروة الحيوانية تُقدّر ب 103 مليون رأس موزعة بين 30 مليون رأس من الأبقار و37 مليوناً من الأغنام و33 مليوناً من الماعز و3 ملايين من الإبل، إلى جانب ثروة سمكية تبلغ 100 ألف طن في النيل والبحر الأحمر. لكن صادرات السودان من اللحوم الحية والمبردة لا تتجاوز 500 مليون دولار سنوياً، بينما تصدر إثيوبيا الأقل ثروة بأكثر من 2 مليار دولار، لغياب المسالخ الحديثة وسلاسل التبريد. وأما المياه فهي شريان الحياة، إذ تبلغ حصة السودان من النيل 20.5 مليار متر مكعب عند سنار، إضافة إلى 7 مليارات من الأنهار الموسمية و4 مليارات من المياه الجوفية، بمجموع 31.5 مليار متر مكعب سنوياً. ومع أن نهر النيل يشق السودان مسافة 1700 كيلومتر، إلا أن الاستفادة من مياه الأمطار والسيول لا تتجاوز 10 بالمائة، في حين يضيع الباقي هدراً في البحر.

 

وتكتمل الصورة بالمعادلة البشرية، فالسودان يضم 48 مليون نسمة على مساحة 1.86 مليون كيلومتر مربع، بكثافة سكانية لا تتجاوز 26 شخصاً لكل كيلومتر مربع، وهي من أقل الكثافات في العالم. ورغم ذلك لا يتجاوز متوسط دخل الفرد 800 دولار سنوياً، وتصل نسبة الفقر إلى أكثر من 65 بالمائة، وتبلغ الديون الخارجية 60 مليار دولار، فيما يتجاوز عدد النازحين داخلياً 9 ملايين مواطن وفق المنظمة الدولية للهجرة 2024.

 

إذا كانت الأرقام لا تكذب، فإن السؤال الجوهري يظل قائماً: كيف يكون الوطن غنياً والشعب فقيراً؟ إن الإجابة ليست قدراً محتوماً، وإنما هي نتاج أمراض مزمنة استشرت في جسد الاقتصاد السوداني. أولها داء اقتصاد الريع، فمنذ الاستقلال ظلت الدولة رهينة تصدير الخام؛ قطن خام وصمغ خام وذهب خام ومواشي حية، فالقيمة المضافة تذهب إلى الخارج، ونحن نبيع الكيلو بدولارين ليعود إلينا مصنّعاً بعشرين دولاراً. إن غياب الصناعة التحويلية هو الغياب الأكبر عن معادلة التنمية. وثانيها داء تمركز السلطة والموارد، فظل القرار الاقتصادي والسياسي حبيس المركز، فتُبنى المصانع في الخرطوم وتُشق الطرق حولها وتُهمَل الأقاليم التي تحتضن الثروة، فمزارع الجزيرة ينتج القطن ومعدن دارفور يستخرج الذهب وراعي كردفان يربي البهائم، لكن القرار وسعر الصرف والبنك والميناء كلها في العاصمة، فأنّى لهذا النموذج أن ينجو من الاحتقان؟ وثالثها داء غياب الرؤية الاستراتيجية، فلم توضع خطة وطنية موحدة لاستثمار 130 مليون فدان، ولم تُنشأ شبكة سك حديد تربط مناطق الإنتاج بالموانئ، ولم تُقم مصانع للزيوت والجلود والأدوية من مواردنا الذاتية، فكل حكومة تأتي بمشروعها وتمضي، ويبقى السودان يصدر التراب ويستورد الرغيف.

 

إن الصراع العسكري الراهن الذي يدفع ثمنه الشعب المنكوب منذ عقود، إنما يسلط الضوء مجدداً على قضية الفقر المزمنة والمهمَلة منذ قرون. فالكلام وحده لا يكفي، والفعل يبدأ حين نسترد قرارنا ونحكم مواردنا بأيدينا ونحول الكنز المدفون إلى خبز ودواء وتعليم على أرض الواقع. وهذا ما سنتناوله تفصيلاً في الحلقة القادمة: كيف نحول الذهب إلى مصانع، والسم إلى زيوت، والبهائم إلى لحوم مبردة، خطة عملية مستنبطة من الواقع لا شعارات تُطلق من قاعات الاجتماعات.

 

المصادر الرسمية 

هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية تقرير المعادن 2023

بنك السودان المركزي تقرير الأداء الاقتصادي 2023

وزارة الطاقة والنفط السودانية النشرة الإحصائية 2024

وزارة الزراعة والغابات السودانية تقرير الإنتاج الزراعي 2023

وزارة الثروة الحيوانية السودانية إحصاءات الثروة الحيوانية 2023

الجهاز المركزي للإحصاء السوداني التعداد السكاني والفقر 2024

المنظمة الدولية للهجرة IOM تقرير النزوح الداخلي 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!