رأي

دولةٌ تأكل أبناءها

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

منذ أن ارتفع علم الاستقلال في سماء السودان عام 1956، ظل الأمل بدولةٍ وطنيةٍ عادلة يراود أجيالاً متعاقبة. غير أن المسار الذي تلا لحظة الاستقلال كشف، على نحوٍ مؤلم، عن اختلالٍ بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع؛ اختلال جعل العنف أداةً متكررة لإدارة الخلاف، وجعل الدولة في محطات عديدة تقف في مواجهة شعبها بدل أن تكون حارسةً لحقوقه.

لم تكن المآسي التي تعاقبت على السودان حوادث معزولة أو أخطاء عابرة، بل جاءت في سياق نمطٍ متكرر: حين تتعثر السياسة، يُستدعى السلاح. في جنوب البلاد بدأت المطالب سياسيةً تتعلق بالمشاركة والاعتراف والعدالة في توزيع السلطة والثروة، لكن الاستجابة الأمنية دفعت نحو حربٍ طويلة أنهكت البلاد وأودت بحياة الملايين، وانتهت بانفصال جنوب السودان، بعد أن سُدّت أمام الحلول السلمية أبوابٌ كان يمكن أن تغيّر المسار.

وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق، تكرّر المشهد ذاته: قضايا سياسية تُقابل بقبضة عسكرية، فتتسع دوائر النزوح ويتعمّق الشرخ الوطني. أما دارفور، فقد شكّلت الجرح الأكثر إيلاماً في جسد الدولة؛ قرى أُحرقت، ومجتمعات شُرّدت، وملفاتٌ حملتها منظمات دولية إلى ساحات العدالة الجنائية الدولية، شاهدةً على حجم الفظائع التي لا يمكن محوها من الذاكرة الجمعية.

غير أن التحوّل الأخطر تمثّل في انتقال العنف من الأطراف إلى المركز. ففي الخرطوم، خرج شبابٌ يحملون شعارات “حرية، سلام، وعدالة”، مطالبين بإصلاح الدولة لا بهدمها، فكان الرد في لحظات مفصلية رصاصاً ودموعاً ودماء. تحوّلت الساحات التي أرادها الناس فضاءاتٍ للأمل إلى مسارح ألمٍ جديد، وأصبح واضحاً أن الأزمة لم تعد أزمة هامشٍ ومركز، بل أزمة دولةٍ في بنيتها وفلسفتها الحاكمة.

ولم تتوقف المأساة عند العاصمة. في طره، وأديكون، والسنط، وأم رسن، وغيرها من القرى التي قد لا تحضر في نشرات الأخبار الدولية، سقط مدنيون في صمتٍ ثقيل. تتبدّل الأسماء والجغرافيا، لكن المشهد يتكرر: مواطنون عزّل في مواجهة آلة عنف لا تميّز بين احتجاجٍ وتمرد، ولا بين طفلٍ ومقاتل. ومع كل حادثة، يتآكل ما تبقى من الثقة بين الدولة ومواطنيها.

جوهر الأزمة ليس في تعدّد بؤر الصراع، بل في عقلية حكمٍ ترسّخت عبر عقود، ترى في القوة وسيلتها الأولى والأخيرة، وتعتقد أن القبضة الأمنية يمكن أن تحلّ محل السياسة، وأن الخوف يمكن أن يصنع استقراراً دائماً. غير أن التجربة السودانية نفسها تثبت العكس: فالعنف قد يفرض صمتاً مؤقتاً، لكنه لا ينتج سلاماً مستداماً، بل يراكم مظالم تنتظر لحظة الانفجار.

الدولة الحديثة لا تقوم على إخضاع مواطنيها، بل على تعاقدٍ اجتماعي واضح يضمن الحقوق والحريات ويحدّد المسؤوليات. وحين يصبح المواطن مشروعَ متهمٍ دائم، وحين يُطلب الولاء دون توفير الأمان والعدالة، فإن أسس الشرعية تتآكل من الداخل. لا يمكن لوطنٍ أن يستقرّ إذا ظلّت العلاقة بين الحاكم والمحكوم محكومةً بالخوف بدل الثقة، وبالإكراه بدل الرضا.

إن كسر دائرة الدم في السودان لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية. ويتطلّب ذلك مساراً واضحاً يقوم على محاسبةٍ حقيقية لا تستثني أحداً، وعدالةٍ انتقالية تعترف بالضحايا وتنصفهم، وإصلاحٍ عميق للمؤسسات الأمنية والعسكرية يضعها تحت رقابة مدنية ديمقراطية. كما يتطلّب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس المواطنة المتساوية، لا على أساس الطاعة أو الانتماء الضيق.

لقد أثبتت السنوات أن تجاهل جذور الأزمة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها. وكلما تأخر الإصلاح، ارتفعت كلفته البشرية والسياسية. والسؤال الذي يواجه السودانيين اليوم نخبةً ومجتمعاً وقوىً سياسية ليس فقط كيف نوقف النزيف، بل كيف نمنع عودته.

فبعد أن وصل الدم إلى قلب الخرطوم، وبعد طره وأديكون والسنط وأم رسن، لم يعد ممكناً النظر إلى المأساة باعتبارها هامشية أو عابرة. إن الدولة التي تفقد قدرتها على حماية مواطنيها أو تتحول إلى مصدر تهديد لهم تضع وجودها ذاته على المحك.

وحدها دولة القانون والعدالة، التي ترى في الإنسان غايتها الأولى، قادرة على كسر هذا المسار. أما الاستمرار في إدارة الخلاف بالقوة، فلن ينتج سوى دورة جديدة من الألم.

ويبقى السؤال معلّقاً بإلحاح: كم تبقّى من الوطن قبل أن يدرك الجميع أن الدولة التي تقتل أبناءها، تقتل نفسها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!