رأي

العربية… انحيازٌ فاضح وسقوطٌ مهني

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الحقيقة لا تموت، لكنها تُغتال حين يُزيَّف الوعي.

لم يعد ما تبثه قناتا العربية والحدث مجرد انحيازٍ عابر في تغطية الشأن السوداني، بل تحوّل إلى ممارسة دعائية مكتملة الأركان، تعيد صياغة الوقائع بما يخدم سردية سياسية بعينها، ولو على حساب الحقيقة المعلنة والموثقة. وفي لحظةٍ تاريخية تتطلب من الإعلام أن يكون منصةً لتقصي الحقائق لا لتجميل المواقف، اختارت هذه المنابر أن تتموضع بوضوح في خندقٍ سياسي محدد، متجاهلةً أبسط قواعد المهنية.

في اللقاء الذي بُث على الهواء مباشرة، مُنح ممثل سلطة بورتسودان مساحة مفتوحة لتقديم رواية تتعلق بالاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الجيبوتي للقاء قائد قوات الدعم السريع وقائد الجيش. الرواية التي جرى تمريرها أوحت للمشاهد بأن تعثر اللقاء كان نتيجة اعتذار من جانب الدعم السريع. والحقيقة الثابتة في البيان الرسمي أن الرئيس الجيبوتي اعتذر عن انعقاد اللقاء لأسبابٍ فنية، وهو توصيف دبلوماسي واضح لا يحتمل التأويل السياسي الذي سعت المذيعة إلى ترسيخه عبر أسئلة موجهة ومقاطعات انتقائية.

المعلوم بالضرورة، وبنص بيانٍ معلن، أن قائد قوات الدعم السريع وافق على الدعوة، وأكد اتساق مشاركته مع موقفه الثابت الداعم للحل السلمي الشامل الذي ينهي حرب الخامس عشر من أبريل/نيسان، ويضع حدًا لمعاناة السودانيين. بل إنه جدد التزام قواته بإنهاء الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية. وفي السياق ذاته، وافق على حضور القمة الاستثنائية التي انعقدت في يوغندا، في حين رفضها عبد الفتاح البرهان صراحة. هذه ليست رواية متنازعًا عليها، بل مواقف موثقة في بيانات رسمية.

غير أن شاشة العربية اختارت أن تُسوّق صورة مغايرة، تُلمِّع موقف البرهان وتُلقي بظلال الشك على خصمه، دون أن تُقدِّم الحد الأدنى من التوازن أو تُذكّر المشاهد بالبيانات المنشورة. وهنا لا نتحدث عن خطأ مهني عابر، بل عن انزلاقٍ واعٍ إلى إعادة إنتاج خطاب سياسي بعينه، يتقاطع بوضوح مع السردية المصرية الرسمية التي دأبت على تقديم البرهان بوصفه “الشرعية الوحيدة”، وتجاهل أي مسارٍ آخر.

إن التماثل بين خطاب بعض الإعلام المصري وبين ما يُبث في العربية والحدث لم يعد خافيًا على أحد. نحن أمام اصطفافٍ سردي كامل، يتجاهل تعقيدات المشهد السوداني، ويُسقط من المعادلة كل ما لا يخدم زاوية سياسية محددة. وحين يتطابق خطاب قناة يفترض أنها إقليمية مع خطاب دولةٍ طرف في حسابات الأزمة، فإن السؤال عن الاستقلالية يصبح مشروعًا وملحًا.

الأكثر خطورة أن هذا التموضع يُقوّض أي حديث عن حيادٍ في الوساطة السياسية. فالمملكة العربية السعودية، التي تسعى للعب دور الوسيط في النزاع السوداني، مطالبة بأن تُظهر توازنًا في خطابها الإعلامي، لأن الإعلام في مثل هذه السياقات جزءٌ من أدوات بناء الثقة. وعندما تنزلق قنواتها الكبرى إلى تبني سردية البرهان بشكلٍ شبه كامل، فإنها تُضعف صدقية أي جهد دبلوماسي مرتبط بها، وتمنح خصومها مبررًا للتشكيك في نواياها.

ليس من المقبول أن تتحول منابر يفترض أنها مهنية إلى منصات لتصفية حسابات إقليمية، أو إلى أدوات ضغط تخدم أجندات سياسية على حساب الحقيقة. السودان ليس ساحةً لتجريب الرسائل المتبادلة بين العواصم، ولا ملفًا يُدار بعقلية الاصطفاف الثنائي. إنه وطنٌ تتفكك أوصاله تحت وطأة حربٍ مدمرة، وشعبٌ يرزح تحت أعباء النزوح والجوع والانهيار المؤسسي.

قد يختلف السودانيون حول تقييم أدوار الأطراف، لكنهم لا يختلفون على أن التضليل الإعلامي يضاعف أمد الحرب. حين يُعاد تشكيل الوقائع، ويُحجب جزءٌ من الصورة، ويُقدَّم البرهان باعتباره المستجيب للمبادرات بينما تُهمَّش بيانات الطرف الآخر، فإننا لا نكون أمام نقلٍ للخبر، بل أمام صناعةٍ للرأي العام وفق قالبٍ جاهز.

إن المهنية تقتضي عرض الوقائع كاملة: قبول الدعوة، الاعتذار لأسباب فنية، الموافقة على القمة الاستثنائية، ورفض البرهان لها. أما انتقاء ما يخدم سردية واحدة، فهو خروجٌ صريح عن أبجديات العمل الصحفي. الإعلام ليس غرفة عمليات سياسية، ولا منصةً لتجميل المواقف، بل فضاءٌ لتقديم الحقيقة كما هي، بلا رتوش ولا اجتزاء.

في نهاية المطاف، المصداقية هي رأس مال أي وسيلة إعلامية. ومن يفرّط فيها طوعًا، مهما بلغ نفوذه أو إمكاناته، يخسر ثقة الجمهور ويضع نفسه في خانة الفاعل السياسي لا الوسيط المهني. والتاريخ لا يرحم من ساهموا في تضليل الوعي العام، لأن الكلمة حين تُستخدم لطمس الحقيقة، تتحول من أداة تنوير إلى أداة تضليل.

السودان يستحق إعلامًا ينحاز للحقيقة، لا للبرهان ولا لغيره. وأي منصة تختار الاصطفاف الصريح، فعليها أن تتحمل تبعات هذا الخيار أمام جمهورٍ بات أكثر وعيًا وأشد قدرة على تمييز الخبر من الدعاية.

العربية… حين يسقط القناع

“إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!