رأي

نظرية اذهب إلى السجن حبيساً..

د.خالد تارس

د.خالد تارس

يسعى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان هذه الأيام إلى إعادة إنتاج سيناريوهات قديمة في صياغ جديد يمكن اختزاله في مقولة: اذهبوا إلى السجن.! وعندما يواجه البرهان ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة يلجأ إلى حيلة إبعاد أبرز الضباط الإسلاميين المحسوبين على الصف الأول في الجيش، وبعد مراوغات شديدةً يحيل بعضهم إلى المعاش ويبقي ذاته ممسكاً بمقود القوات المسلحة ثم يدفع بقيادات الصفين الثاني والثالث من ذات الإسلامويين إلى مراكز القرار في هيئة الأركان، وبالتالي تصبح مسرحيّة سخيفة لا تتعدى كونها إعادة ترتيب أوراق لا محاولة جادة في الشروع نحو عملية تفكيك حقيقي لسيطرة الإسلاميّين على الجيش.

حيث تشير خطوات قائد الجيش الماكر إلى ترتيب من يذهبون إلى السجن في انتاج فلم اعتقال رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول احمد هارون، وهي خطوة تُعيد إلى الأذهان ذات السيناريو الذي اتبعه البرهان أيام الثورة حين حاول إيهام الداخل والخارج بأنه بطل تصفية الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية وإنهاء نفوذهم، ولكن تيار البشير اعتبر ان خطوات اعتقال هارون في هذا التوقيت يمثل استفزازاً صريحاً لنفوذ تيار المخلوع عبر كتائب معلومة من بينها البراء والبرق الخاطف وغيرها من المجموعات التي حملت السلاح في هذه الحرب، حيث لمح البعض إلى أن البرهان لم يكن لينجو من مأزق حرب 15 أبريل لولا دعم الإسلاميين وكتائبهم المقاتلة حين أنقذته من السقوط وأبقته على رأس السلطة مجداً رغم كل شيء، لكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً وارتباكاً فخلال لقائه في زيورخ، قدّم البرهان التزاماً صارماً للمجتمع الدولي بإبعاد الإسلاميين عن المؤسسة العسكرية، ولتنفيذ هذا التعهّد وجد الرجل نفسه مضطراً للتمرد على مجموعة أحمد هارون ومجموعة نافع وبعض من رجال الصف الأول، بينما أبقى على نفوذ الصف الثاني الذي يدور في فلك علي كرتي صاحب الكلمة العُلي والصوت الجهور داخل الحركة الإسلامية، حيث يُنظر إليه على أنه الممسك الحقيقي بخيوط قيادة الجيش، هذا التوازن الحذر سيكشف أن البرهان لا يستطيع قطع الصلة تماماً بالإسلاميين، بل يسعى فقط إلى إعادة تدوير الوجوه بما يرضي القوى الدولية من جهة، ويضمن بقاء التيار الإسلامي في السلطة من جهة أخرى. فإقصاء هارون ومجموعته ليس سوى ورقة سياسية لإثبات (حُسن النية) بينما يظل جناح علي كرتي محتفظاً بقبضته المحكمة على مفاصل الجيش.

ان السؤال الأهم والذي يدور بات يدور بالأذهان، فإلى أي مدى يمكن للبرهان أن ينجح في إطلاق مناورة سياسية مزدوجة .؟ فإذا مضى بعيداً في التزاماته الدولية، فإنه يخاطر بإشعال مواجهة أكيدة مع الإخوان المسلميين الذين ما زالوا يملكون أدوات عسكرية وتنظيمية مؤثرة، أما إذا اكتفى بالخطوات الشكلية وأبقى على نفوذهم الحقيقي، فسوف يواجه ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي الذي بات يراقب عن كثب أي محاولة للمراوغة من البرهان، خاصة بعد استخدام الجيش أسلحة كيماوية في مواجهة الدعم السريع، وبين هذين المسارين يبدو قائد الجيش وكأنة اصبح يراهن على سياسة (شراء الوقت) عبر إعادة إنتاج نظرية اذهب إلى السجن حبيساً، لكن التاريخ السياسي السوداني علّمنا أن مثل هذه المناورات لا تدوم طويلاً، فسرعان ما ترتد وتنكشف، وأنها قد تفتح أبواب عديدة أمام صراع داخلي أكثر حدّة يضع الرجل في مواجهة الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!