
الهادي ابو زايدة
ليست الشهادة السودانية مجرد امتحانٍ سنوي تُعقد له القاعات وتُرصّ له المقاعد، بل هي بوابة عبور نحو المستقبل، وعقدٌ أخلاقي بين الدولة وأبنائها بأن المعرفة حق لا يُصادر، وأن الاجتهاد يجد طريقه إلى الاعتراف. غير أن هذا العقد تصدّع تحت وطأة الحرب، فتحوّل الامتحان من استحقاق أكاديمي إلى معركة بقاء، ومن حلمٍ مشروع إلى انتظارٍ ثقيل.
المأساة لا تكمن في عامٍ دراسي ضائع، بل في مسار حياة يتآكل بصمت. جيلٌ كامل تنقّل بين النزوح واللجوء، يحمل كتبه في حقائب الإغاثة، ويؤجل أحلام الجامعة إلى إشعارٍ آخر. لم يكن الامتحان بالنسبة له مجرد ورقة إجابة، بل كان نافذته الأخيرة على عالمٍ أكثر استقراراً. ومع كل تأجيل أو منع، تتسع الفجوة بين الحق المعرفي والواقع المأساوي.
في المقابل، أعلنت حكومة «تأسيس» اكتمال استعداداتها الفنية والإدارية والأمنية لإجراء امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026، مؤكدة شمولها لكل الطلاب دون استثناء، ولا سيما الذين حُرموا خلال سنوات الحرب. تعهّدت بضمان فرص عادلة للالتحاق بالجامعات والمؤسسات التعليمية الواقعة تحت إدارتها، واعتبرت أن حرمان الطلاب من حقهم في التعليم جريمة جسيمة لا تسقط بالتقادم. هذا الإعلان، أياً كان الموقف السياسي منه، يعيد إلى الواجهة سؤالاً بسيطاً: هل يمكن أن تكون المعرفة رهينة الصراع؟
المفارقة موجعة؛ جهة تعلن استعدادها لفتح القاعات رغم أزيز الرصاص، وأخرى تغلقها باسم الشرعية أو تعجز عن توفير شروطها. وبين الإعلان والمنع يقف الطالب وحيداً، لا يسأل عن خرائط النفوذ ولا عن بيانات التخوين، بل عن موعد الامتحان، عن رقم الجلوس، عن فرصةٍ لا تُؤجَّل مرةً أخرى.
إن التعليم ليس امتيازاً تمنحه السلطة حين تشاء، بل حق أصيل يسبق السياسة ويعلو عليها. والامتحان، في جوهره، رسالة أمل بأن المستقبل ما زال ممكناً. فإذا كان السلاح يختصر المسافات نحو الخراب، فإن القلم وحده يفتح الطريق نحو التعافي. وما لم يُحمَ هذا الحق، ستبقى التراجيديا الصامتة تتكرر، وسيظل جيلٌ كامل يدفع ثمن حربٍ لم يخترها.
كلام شاي
الهادي أبوزايدة




