رأي

السودان بعد الحرب: من هدنة السلاح إلى تأسيس دولة لا تُهزم بالصراع

الهادي أبو زايدة

 

الهادي أبو زايدة ،، كلام شاي 

منذ أن نال السودان استقلاله عام 1956، ظل يعيش في دائرة مفرغة من الحروب التي تتوقف لتشتعل من جديد. لم يكن وقف إطلاق النار يومًا مرادفًا للسلام، بل كان في كثير من الأحيان استراحة قصيرة بين جولات صراع أعمق وأعقد. التجربة السودانية تقول بوضوح إن الأزمة ليست فقط في فوهة البندقية، بل في شكل الدولة نفسها، وفي طريقة إدارتها للتنوع، وفي السؤال المؤجل دومًا: من هو السوداني في دولة لم تحسم بعد تعريف المواطنة؟

السؤال الجوهري لما بعد الحرب ليس كيف نُسكت السلاح، بل كيف نمنع عودته. فالسلام الحقيقي لا يُبنى باتفاق سياسي هش، ولا بتقاسم سلطة بين نخب متصارعة، بل بإعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة.

أول التحولات المطلوبة هو الانتقال من دولة المكونات إلى دولة المواطنين. فقد تشكّلت الدولة السودانية الحديثة على توازنات اجتماعية هشة أعادت إنتاج القبيلة والجهة داخل مؤسسات الحكم. ومع كل أزمة، كان الانتماء الأولي يتقدم على الانتماء الوطني، فتتحول الدولة إلى ساحة تنازع بين الهويات بدل أن تكون مظلة جامعة لها. لذلك فإن الاستقرار الدائم يبدأ من إعادة تعريف الانتماء على أساس المواطنة المتساوية، حيث يكون القانون هو المرجعية الوحيدة، لا الأصل ولا الجهة ولا العِرق.

المواطنة ليست نصًا دستوريًا يُكتب في مقدمات الوثائق، بل منظومة قانونية ومؤسسية تضمن تكافؤ الفرص، وتجرّم التمييز، وتفصل بين السلطة والانتماءات الأولية. دولة المواطنة تعني أن الانتماء للسودان يعلو في المجال العام على أي انتماء آخر، دون أن تُلغى الخصوصيات الثقافية والاجتماعية في المجال الخاص. فالتنوع ليس تهديدًا إذا أُحسن تنظيمه، بل مصدر ثراء حين تُدار اختلافاته بعدالة.

غير أن منع تكرار الحرب يتطلب كذلك إصلاحًا عميقًا لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، بحيث تخضع لسلطة مدنية منتخبة، وتبتعد عن التسييس والانحياز لأي تيار أو جهة. كما يتطلب بناء اقتصاد عادل يقلل من الفوارق التنموية بين المركز والأقاليم، لأن التهميش المزمن كان دائمًا وقودًا للصراع.

إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن يكتفي بإسكات البنادق، فيعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة، أو أن يختار طريقًا أصعب لكنه أكثر أمانًا، طريق إعادة التأسيس. فالحرب لا تنتهي حين يصمت الرصاص، بل حين تُبنى دولة يشعر فيها كل مواطن أن له مكانًا محفوظًا وحقًا مصونًا.

السلام ليس هدنة، بل نظامًا سياسيًا عادلًا. وإذا لم يتحول وقف الصراع إلى مشروع دولة، فإن التاريخ سيعيد نفسه، وستبقى الحروب عنوانًا مؤجلًا لفشل لم نجرؤ على معالجته من جذوره.

الهادي ابو زايدة 

كلام شاي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!