
زينب حسن سعيد
لثلاث سنوات عجاف، وقفت حكومة بورتسودان موقف المتفرج، بل والمساهم، في حرمان مئات الآلاف من طلاب السودان وتحديداً في أقاليم دارفور وكردفان ومناطق أخرى من أبسط حقوقهم الدستورية والإنسانية: الحق في التعليم. ثلاث سنوات من الصمت المريب والتجاهل المتعمد، تُرِك فيها جيل كامل يواجه مصيراً مجهولاً، وكأن التعليم رفاهية يمكن تأجيلها، أو منحة يهبها “المركز” لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء.
ولكن، فجأة وبلا مقدمات، تحركت المياه الراكدة واشتعلت المنابر بخطابات “الغيرة القومية” على التعليم. متى حدث ذلك؟ لم يحدث عندما كانت المدارس خاوية، بل حدث تحديداً في اللحظة التي أعلنت فيها “حكومة تأسيس” عن تحمّلها لمسؤولياتها التاريخية، وشروعها في تحديد موعد لامتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل الطلاب.
هنا، وهنا فقط، تناسلت فجأة ما تُسمى بـ “اللجان الوطنية” و”مبادرات إنقاذ التعليم”. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على هذه الكيانات المدعية: أين كنتم طيلة ستة وثلاثين شهراً والطلاب محرومون من قاعات الدرس؟ أين كانت هذه البيانات الرنانة وحكومة بورتسودان تغلق أبواب الأمل في وجه أبناء الهامش؟
إن هذه الصحوة المفاجئة لا علاقة لها بالحرص على مستقبل الطلاب، بل هي كاشفة لعقلية “المركز السلطوي” في أبشع صورها. هذه اللجان ليست سوى أذرع سياسية بغطاء نقابي وتربوي، أصابها الذعر عندما أدركت أن هيمنة المركز على القرار التعليمي قد كُسرت. لقد أثبتت خطوة “حكومة تأسيس” أن الأقاليم قادرة على إدارة شؤونها، وتنظيم استحقاقاتها، واستعادة حق أبنائها في التعليم دون انتظار “صكوك الغفران” أو الموافقة من مكاتب بورتسودان.
إن ما تتباكى عليه هذه اللجان تحت لافتة “الحفاظ على قومية الشهادة السودانية” ليس سوى محاولة يائسة للحفاظ على احتكار المركز للسلطة والقرار. هم لا يريدون امتحاناً يجمع كل السودانيين، بل يريدون امتحاناً يُعقد بشروطهم، وفي توقيتهم، ليظل الهامش رهينة لقراراتهم السياسية. استخدام التعليم كأداة عقاب جماعي وكورقة ضغط سياسي هو جريمة لا تسقط بالتقادم.
لقد أسقطت إرادة الاستقلالية والبحث عن حلول واقعية ورقة التوت عن هذه اللجان السياسية. الحق في التعليم لا ينتظر المساومات، ومستقبل الطلاب يجب ألا يُختطف لإرضاء غرور مركز سلطوي أدمن تهميش الأطراف.




