
حسن النعمان
تتصاعد بين الحين والآخر خطابات انفعالية تختزل التجارب الوطنية في أوصافٍ عابرة، وتتعامل مع الدول بمنطق التصغير اللفظي بدل القراءة الموضوعية. وفي خضم هذا الضجيج، تُطرح دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها هدفًا لاتهامات لا تستند إلى تحليلٍ رصين بقدر ما تعكس حالة استقطاب سياسي حاد. غير أن تقييم الدول لا يتم عبر الشعارات، بل عبر الوقائع القابلة للقياس.
الإمارات لم تكن يومًا كيانًا طارئًا في معادلة الإقليم، بل مشروع دولة تشكّل على مدى عقود برؤية واضحة ارتكزت على الاستقرار الداخلي، وتنويع الاقتصاد، والاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري. فمنذ قيام الاتحاد عام 1971، اختارت الدولة مسار البناء المؤسسي والتحديث الاقتصادي، فانتقلت من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على النفط إلى نموذج أكثر تنوعًا يشمل قطاعات الطيران، والسياحة، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا.
يكفي أن يُذكر اسم دبي أو أبوظبي في سياق الاقتصاد العالمي حتى يحضر نموذج المدن المتصلة بشبكات التجارة والسفر والاستثمار. مطارات الإمارات تُعد من بين الأكثر حركة على مستوى العالم، وشركات الطيران الوطنية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في ربط القارات. هذا الحضور لم يكن نتاج الصدفة، بل نتيجة سياسات طويلة المدى وضعت الموقع الجغرافي في خدمة الاقتصاد العالمي.
كما أن الاستثمار الخارجي أصبح أحد أدوات التأثير الاقتصادي للدولة، من خلال صناديق سيادية ومشروعات ممتدة عبر قارات متعددة. ورغم صغر المساحة وعدد المواطنين مقارنة بدول أخرى، فإن إدارة اقتصاد يستوعب ملايين المقيمين من جنسيات مختلفة يعكس قدرة تنظيمية ومؤسسية لافتة.
أما في المجال الرياضي والثقافي، فقد تحولت الاستثمارات إلى ما يُعرف بالقوة الناعمة، حيث بات اسم الإمارات حاضرًا في منصات عالمية، سواء عبر رعاية أندية كبرى أو استضافة فعاليات دولية ضخمة. هذه الاستراتيجية لا تُقرأ بمعزل عن رؤية تسعى إلى ترسيخ صورة الدولة كمركز عالمي للأعمال والفعاليات.
فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، فإن تقييم أي شراكة ينبغي أن يستند إلى الاتفاقيات المعلنة والمصالح المتبادلة، لا إلى توصيفات انفعالية. الإمارات، كغيرها من الدول، تتحرك وفق مصالحها الوطنية، لكنها في الوقت ذاته شاركت في مبادرات إنسانية وتنموية في عدد من الدول، بما في ذلك السودان، عبر مشروعات دعم وإغاثة واستثمار.
إن العظمة لا تُقاس بالحجم الجغرافي أو بعدد السكان فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى منجز مستدام. وخلال نصف قرن، استطاعت الإمارات أن تنتقل من دولة ناشئة إلى لاعب اقتصادي مؤثر إقليميًا ودوليًا.
الدول تُحاكم بإنجازاتها، وتُقاس بما تبني من مؤسسات واقتصاد وفرص. أما الأوصاف العابرة، فتبقى مجرد صدى في فضاء الجدل، لا يغيّر من حقائق الأرقام ولا من ثقل التجربة.




