
عمر سيد أحمد
O.sidahmed09@gmail.com
فبراير 2026
حرب داخلية تتحول إلى صراع محاور
منذ اندلاع الصراع المسلح في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، دخل السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. ما بدأ كنزاع على السلطة تمدّد إلى حرب شاملة: نزوح بملايين، تدمير للبنية التحتية، وانهيار للخدمات الأساسية. وفي قلب هذه الكارثة، لا تتحرك القوى الإقليمية والدولية بوصفها وسطاء محايدين، بل بوصفها أطرافًا تتنازع على رسم مستقبل السودان—بينما تتراجع إرادة الشعب السوداني، التي صنعت ثورة ديسمبر، إلى الهامش.
هذه الورقة تدمج بين مقاربتين: الأولى تُحلّل انقسام “الرباعية” ومحدودية الوساطة، والثانية تُفكك محاور الإقليم وتناقضاتها وخيارات الحل الممكنة—مع إدراج التطورات الأخيرة المرتبطة بتحوّل الدعم الخارجي إلى انخراط عملياتي مباشر عبر حرب المسيّرات، وما يُفهم منه كاصطفاف جديد (مصري–سعودي–تركي) في لحظة تتغير فيها هندسة الحرب.
المشهد الحالي: الكلفة يدفعها المجتمع… والقرار يُصاغ خارجه
المأساة الإنسانية في السودان ليست “نتيجة جانبية” للحرب، بل هي جوهرها السياسي: تفكيك المجتمع، ضرب المدن، وتوليد اقتصاد حرب يبتلع الدولة. ومع تفكك مركز السلطة وازدواج الشرعيات، يصبح الخارج أكثر قدرة على التأثير من الداخل—لا لأنه أقوى أخلاقيًا، بل لأنه يملك أدوات المال والسلاح والضغط الدبلوماسي.
المفارقة القاسية هنا أن الشعب الذي دفع أثمانًا باهظة لإسقاط نظام الإسلامويين في ديسمبر 2018/2019، يجد نفسه أمام مسارات تفاوض تتعامل معه كـ”تفصيل”، بينما تُعاد هندسة السلطة على أساس “من يملك السلاح”، و”من يدعم من”.
الرباعية المنقسمة: وساطة بلا مركز ثقل
ظهر إطار “الرباعية” (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، بريطانيا) كمرجعية ضغط/وساطة. لكن عمليًا، لم تعد الرباعية رباعية متماسكة، بل مساحة اختلافات حادة حول سؤال واحد: ما شكل الدولة السودانية بعد الحرب؟
• هل الأولوية لوقف الحرب بأي صيغة ولو أعادت إنتاج تحالف العسكر والإسلامويين؟
• أم لوقف الحرب ضمن مسار انتقال مدني واضح يمنع ارتداد النظام القديم؟
هذا الانقسام لا يضعف الوساطة فقط، بل يفتح الباب لسياسات “إدارة الصراع” بدل “حله”، ويُشجع أطراف الداخل على إطالة الحرب انتظارًا لتبدل موازين الخارج.
المحور المصري–السعودي: براغماتية معلنة… وهيمنة كامنة
أ) الرهان على البرهان و”الاعتدال” المزعوم
تتبنى مصر والسعودية خطابًا يصف نفسه بالواقعية: استبعاد الإسلامويين بالكامل—بحسب هذا الخطاب—غير واقعي وقد يقود لعدم استقرار طويل. وتقدم القاهرة البرهان بوصفه “شريكًا” يمكن عبر تثبيت سلطته أن “يتخلص تدريجيًا” من العناصر المتشددة، مع الإبقاء على تيار “معتدل” داخل ائتلاف أوسع.
لكن هذا المنطق، في القراءة السودانية التي صنعت الثورة، لا يجيب عن سؤال الشرعية: أي تسوية تعيد جزءًا من المنظومة التي ثار عليها الناس تُنتج حربًا مؤجلة لا دولة.
ب) كشف طبقات الدور المصري: من دعم سياسي إلى شراكة في الحرب
هنا يبرز جوهر النقد: المشكلة ليست فقط في خطاب “البراغماتية”، بل في حقيقة الدور المصري كما تراه قطاعات واسعة من السودانيين: مصر ليست وسيطًا، بل طرفًا يسعى لإبقاء السودان ضعيفًا، تديره نخبة عسكرية–إسلاموية محاصرة شعبيًا ومعتمدة على الخارج، لأنها—بحكم عزلتها—أكثر قابلية لتقديم التنازلات.
وفق هذا المنظور، “كابوس” القاهرة ليس الفوضى، بل الاستقرار الديمقراطي: حكومة مدنية ذات شرعية شعبية ستعيد فتح ملفات السيادة والموارد (المياه، الحدود، الذهب، الاقتصاد)، وتطالب بعلاقات ندية لا تبعية.
تطور نوعي: حرب المسيّرات ودلالة “الدخول الفعلي”
ضمن هذا السياق، جاءت التطورات الأخيرة لتمنح السرد السياسي “مفصلًا” جديدًا: انتقال الدعم إلى مستوى عملياتي مباشر. إذ تتحدث تقارير وتحقيقات دولية عن استخدام مسيّرات تركية تُدار/تُطلق من داخل مصر لتنفيذ ضربات داخل السودان، بما يعني عمليًا أن الحرب لم تعد داخلية ذات امتدادات إقليمية، بل أصبحت (جزئيًا) ساحة عمليات عابرة للحدود.
حين تتحول أراضي دولة مجاورة إلى منصات تشغيل عسكري، نكون أمام لحظة تدويل فعلي للحرب، لا على مستوى الخطاب، بل على مستوى الجغرافيا والسلاح.
الاصطفاف السعودي–المصري–التركي–القطري: مصالح مخفية وراء خطاب الاستقرار
هذا الاصطفاف لا يُفهم بقراءة أسبابه المعلنة فحسب—أمن الحدود، البحر الأحمر، التوازن الإقليمي—بل بالبحث في ما تخشى كل دولة خسارته في حال نجح السودان في تحقيق تحوّل مدني ديمقراطي حقيقي:
مصر لا تخشى الفوضى بقدر ما تخشى الاستقرار الديمقراطي…
السعودية لا تدعم الجيش السوداني انطلاقًا من مبدأ “الاستقرار” المجرد…
تركيا هي الداعم الأول والأكثر عقيدةً للتنظيم الإسلامي السوداني…
قطر تُكمل الصورة بتمويل السلاح التركي…
الجامع بين هذه الأطراف ليس تحالف قيم، بل خشية مشتركة من سابقة: سودان مستقر، ذو سيادة، تحكمه إرادة شعبية—هذا النموذج أخطر على كل منهم من الحرب ذاتها.
الموقف الإماراتي: رفض مطلق لعودة الإسلامويين
على الجانب الآخر، تتمسك الإمارات بموقف نقيض: الإسلام السياسي تهديد جوهري للاستقرار والتنمية. وتُجادل أبوظبي بأن البرهان ليس بديلًا للإسلامويين بل واجهة لهم أو جزء من شبكاتهم، وأن “رهان التخلص التدريجي” وهم سياسي.
الموقف الأمريكي: تردد بين إنقاذ عاجل وخوف استراتيجي
واشنطن عالقة بين اتجاهين:
• براغماتي إنساني/أمني
• مبدئي سياسي
القوى المدنية السودانية: الانقسام المدمر وإهدار الشرعية
أخطر ما في المشهد ليس فقط انقسام الخارج، بل تشرذم الداخل المدني…
النتيجة العملية: إرادة الشعب التي أسقطت النظام تُستبدل بتمثيلات ضعيفة لا تستطيع فرض شروط السلام أو حماية الانتقال.
سيناريوهات الحل
السيناريو المصري–السعودي: “استقرار” يعيد إنتاج الحرب
السيناريو الإماراتي: أصح سياسيًا… أصعب تنفيذًا
السيناريو الأمثل: خارطة طريق شاملة ومتدرجة
تتضمن خمس حزم:
1. وقف حرب قابل للتحقق
2. حكومة انتقالية مستقلة
3. إصلاح أمني حقيقي
4. عدالة انتقالية
5. بناء ديمقراطي مستدام
خاتمة: مركز الحل هو السودان… لا غرف الوساطة
الصراع في السودان ليس حربًا بين جيش وميليشيا فقط، بل صراع بين مشروعين لمستقبل الدولة…
استعادة “إرادة الشعب” ليست شعارًا أخلاقيًا، بل شرط سياسي وتقني لإنهاء الحرب.
عمر سيد أحمد | فبراير 2026




