
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
عند اندلاع حرب دارفور في 2003، الحجة الرسمية التي رُفعت لتبرير العمليات العسكرية كانت “محاربة التمرد”.
كانت الدولة تواجه حركات الكفاح المسلح التي حملت السلاح ضدها، واعتُبر ذلك تمرداً يجب القضاء عليه لحماية السيادة ووحدة البلاد.
تحركت القوات النظامية والتشكيلات المساندة لها في الإقليم، وصُورت المعركة كحرب ضد خصوم مسلحين، بعيداً عن المدنيين.
بعد مرور عشرين عاماً تقريباً، تحول الأمر من مجرد مواجهة مع “قوات كفاح مسلح متمردة” إلى إعادة ترتيب التحالفات نفسها، حيث أصبح بعض هؤلاء الذين صُنّفوا يوماً كخصوم للجيش يقاتلون إلى جانبه في الحرب التي اندلعت عام 2023.
السلاح الذي كان يُعتبر تمرداً أصبح جزءاً من تحالف رسمي، والقوى التي جرى استهداف مناطقها بذريعة القضاء على التمرد دخلت لاحقاً في ترتيبات سياسية وأمنية مع الدولة نفسها.
هنا تظهر المفارقة:
في 2003 رُفعت راية “محاربة التمرد” في دارفور.
في 2023 صار بعض ذلك “التمرد” حليفاً للجيش.
إذا كانت المعركة الأولى ضد “قوات كفاح مسلح”، فلماذا اتخذت طابعاً واسعاً ضد الزرقة؟
وإذا كانت تلك الحركات تمثل خطراً وجودياً على الدولة، فكيف أصبحت لاحقاً شريكاً عسكرياً؟
الحركات المتمردة ويد الدولة الباطشة
الحركات التي حملت السلاح ضد الدولة عام 2003 شملت:
حركة/جيش تحرير السودان
حركة العدل والمساواة
كانت هذه الحركات مزيجاً من كل القبائل، وليس الزرقة وحدها.
لكن الدولة استخدمت مسمى “محاربة التمرد” كغطاء لاستهداف مجتمعات الزرقة بالكامل.
موسى هلال كان اليد الباطشة للدولة في تنفيذ هذا التحول:
توجيه العمليات العسكرية ضد الزرقة.
حرق القرى وتهجير السكان.
تعطيل الخدمات والمرافق الأساسية.
ربط الولاء بالقومية والقبيلة.
الفرق بين حرب التمرد وحرب الزرقة
حرب التمرد كانت مواجهة محدودة ضد قوات مسلحة حملت السلاح ضد الدولة، هدفها حماية السيادة والوحدة الوطنية، وكانت العمليات تقتصر على مواقع الخصوم المسلحين فقط.
أما حرب الزرقة، فقد استهدفت مجتمعات كاملة على أساس هويتها الاجتماعية والقبلية.
توسعت العمليات لتشمل القرى والمدن، ورافقها تدمير للبنية التحتية والتهجير القسري للسكان، مستندة إلى شعارات سياسية لكنها في جوهرها عمليات عنصرية واجتماعية ضد الزرقة.
الفرق الأساسي بينهما يكمن في النطاق والمبرر: الأولى مواجهة عسكرية محددة ضد خصوم مسلحين، أما الثانية فكانت حرباً واسعة ضد مجتمع كامل تحت غطاء سياسي وقانوني مزيف.
التحولات بعد تأسيس قوات الدعم السريع
بعد تأسيس قوات الدعم السريع عام 2013 بقيادة محمد حمدان دقلو، دخل بعض عناصر قوات موسى هلال ضمن هذه القوة الجديدة.
هذا الدمج كان جزءاً من إعادة ترتيب موازين القوة في دارفور، حيث تم ضم بعض القيادات والكتائب السابقة لتصبح تحت سلطة مركزية رسمية.
نتيجة هذا الدمج، شهدت المناطق التي كانت تحت نفوذ موسى هلال انخفاضاً نسبياً في الانتهاكات:
توقف بعض الهجمات المنظمة على القرى.
استقرار جزئي في المدن الكبرى مثل الفاشر.
تقليل عمليات التهجير والحرق الجماعي، تحت إشراف قيادة مركزية أكثر انضباطاً.
عودة الانتهاكات بعد 2023
بعد اندلاع الحرب في 2023، تغيرت التحالفات بشكل جذري.
لم تعد هناك حسابات واضحة للقانون أو المساءلة.
الجرائم التي ارتُكبت باسم موسى هلال موثقة، وكذلك الانتهاكات التي ارتكبها كيكل ضد أهله في الجزيرة، باتت معروفة في الجزيرة وود النورة.
مع ذلك، بعد أن طُرحوا خارج المشهد لفترة، عادوا مجدداً إلى صف الجيش.
في القانون السوداني توجد آليات للمساءلة والعقاب على الانتهاكات، سواء على مستوى القانون الجنائي أو في إطار القانون الدولي مثل الجرائم ضد الإنسانية.
لكن التطبيق غالباً يتطلب إرادة سياسية وأدلة قوية ومتابعة دقيقة.
ومع التحولات التي أعقبت 2023، ظهر أن تحالفات القوة تتجاوز حسابات العدالة.
هذا يفتح تساؤلاً جوهرياً: من يحمي الجيش من أن يصبح هو نفسه فريسة للمساءلة، حين يعود من حمل السلاح ضد الدولة إلى قلبها مرة أخرى؟
بعد أن عاد موسى هلال وكيكل إلى صف الجيش، أصبح واضحاً أن التحالفات لم تعد تُبنى على مبادئ قانونية أو أخلاقية، بل على حسابات القوة.
حركات الكفاح المسلح التي كانت الدولة قد خاضت ضدها حرباً شرسة، والتي ينتمي كثير من أفرادها إلى الزرقة، باتت اليوم تحارب إلى جانب الجيش.
هذا التحول يطرح سؤالاً أعمق: على أي مبدأ تقوم هذه الاصطفافات؟ هل هي ضرورة عسكرية مؤقتة؟ أم إعادة تدوير للصراع تحت لافتة جديدة؟
دماء السودانيين التي سالت في دارفور، في الفاشر، وفي الجزيرة وود النورة، ليست مجرد أرقام في تقارير، هي ذاكرة مفتوحة.
وعندما تُهمّش المساءلة وتُقدَّم المصالح السياسية الضيقة على العدالة، يصبح السؤال أكبر من تحالف عسكري:
من يحمي الجيش؟
ومن يحمي مستقبل السودان، إذا كانت التحالفات التي تُرفع باسم الدفاع عن البلاد تقوم على تجاوز المحاسبة ودفن الحقائق في رمال المصالح؟




