
علي سانتينو
الاعلان السعودي الذي شدد على منع الإساءة لدولة الإمارات العربية المتحدة وهدد بالمحاسبة القانونية ليس ردت فعل متأخر على الضجيج الإعلامي لمجموعة سياسية ظلت قابعة في المملكة، هو كان إعلاناً صارماً يعكس إدراكاً خطيراً لحقيقة تم التغاضي عنها طويلاً، فالمملكة تحولت بفعل التساهل وسوء التقدير إلى منصة انطلاق لأخطر غرف التضليل الإخوانية التي تدعم الحرب في السودان وتستهدف دولة الإمارات بشكل منهجي!
ان الإعلان السعودي جاء في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة إقليمية لا تحتمل الرمادية. فالرياض برغم خلافاتها السياسية مع أبوظبي في بعض الملفات من بينها جنوب اليمن فقد اختارت أن تفصل بوضوح بين الخلاف السياسي المشروع وبين السماح لجماعات متطرفة بدأت تعبث بعلاقات دول الخليج، وهذا الفصل بحد ذاته تطورا يضع حداً لمحاولات خبيثة سعت لسنوات لتغذية وهم الصراع السعودي الإماراتي ما يخدم أجندات لا علاقة لها بمصالح الشعوب ولا باستقرار المنطقة.
ان الواقع الذي باتت الرياض تعترف به ضمنياً هو أن حملات الإساءة ضد الإمارات يتم جزءاً منها من داخل المملكة، عبر غرف إعلامية يقودها سودانيون مرتبطون فكرياً وتنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين، ولهم امتيازات داخل المؤسسات العسكرية، هذه الغرف تتخفى خلف شعارات دعم الجيش السوداني بينما الحقيقة هي أذرع إعلامية لنظام إخواني يستخدم الحرب كوسيلة للبقاء والكذب كسلاح يومي، والإمارات ككبش فداء دائم !
يبدو أن المملكة السعودية تعرف الأسماء والمنصات الاعلامية، وتعرف أن هذا الخطاب لا يمثل السودانيين ولا يعبر عن موقف وطني موحد، هو في الواقع خطاب إعلامي لجماعة مأزومة وجدت في السعودية بيئة آمنة للبث، فظنت الكرم السعودي يعني التغاضي عن التحريض والتآمر على الجوار. لكن المملكة التي واجهت الحوثي عسكرياً وإعلامياً، لا يمكن أن تقبل بأن يُعاد إنتاج النموذج نفسه تحت مسمى آخر وبوجوه مختلفة.
ان الإساءة للإمارات من داخل السعودية ليست إساءة للإمارات وحدها، بل طعن مباشر في السيادة السعودية وتشويه لدور المملكة الإقليمي، ومحاولة وضعها في مواجهة مع شريك استراتيجي. وهذا بالضبط ما تسعى إليه جماعة الإخوان المسلمين في ضرب وحدة الخليج وتفكيك تحالفاته وخلق صراعات جانبية تتيح لها التنفس وسط الفوضى !
وقد أدركت الرياض متأخرةً لكنها حسمت الأمور، أن من يهاجم الإمارات اليوم باسم السودان، سيهاجم السعودية غداً باسم قضية أخرى. فالاسلاميون لا يعترفون بجميل ولا يحترمون دولة ولا يلتزمون بسقف. وفي كل المواقف هم مشروع فوضوي عابر للحدود، يتغذى على الحروب والانقسامات، ويعيش على بث الكراهية وتشويه الخصوم. وما حرب السودان إلا نموذجاً صارخاً لإعلام يبرر القتل ويزوّر الحقائق، ثم يبحث عن شماعة خارجية لتغطية الفشل والانهيار !
والأخطر أن هذه الغُرف الإعلامية السياسية التي تدعي مساندة الجيش السوداني لم تكتفِ بالإساءة للإمارات العربية، فقد عملت بشكل مدروس على خلق استقطاب مصنوع داخل الخليج يصور السعودية في معسكر والإمارات في معسكر آخر وكأن الخلاف السياسي خلاف وجودي. هذا الخطاب ليس ساذجاً كما يتصور البعض، بل خطاباً مدروساً ويهدف إلى ضرب مجلس التعاون الخليجي من الداخل، وتحويله من كتلة واحدة متماسكة إلى ساحات صراع متقابل !
ان الإعلان الحاسم السعودي جاء ليقول بوضوح ما كان يجب أن يُقال منذ وقت طويل ان المملكة ليست فندقاً سياسياً لكل من يريد بث السموم، وليست منصة للإعلام الإخواني كما في تركيا وقطر، ولن تسمح السعودية بعد اليوم بأن تُستخدم أراضيها لتشويه الإمارات أو أي دولة خليجية اخرى. ومن يقيم في المملكة العربية السعودية عليه أن يحترم قوانينها وثوابتها وتحالفاتها، أو يواجه العواقب !
هذه ليست رسالة موجهة للإمارات بقدر ما هي رسالة لكل من أساء التقدير والاحترام، وأن زمن الفوضى الإعلامية انتهى، وزمن اللعب على التناقضات الخليجية انتهى، ومن أراد أن يدعم الحرب في السودان عبر الأكاذيب والتحريض يفعلها بعيداً عن أرض المملكة. فالسعودية بهذا القرار لا تحمي الإمارات فقط، هي تحمي نفسها وتحمي الخليج، وتغلق الأبواب في وجه اي مشروع إخواني ظنّ أن الصمت ضعف، فقد انكشف أن الصمت السعودي على انتهازية الاسلامويين كان صبراً، وأن الخط الأحمر قد اكتمل رسمه اخيراً وبات واضحاً.




