
فيصل أبكر شرف
إن المشهد السياسي السوداني الراهن لا يقبل القسمة على الهواة أو المتلونين الذين يظنون أن الذاكرة الجمعية للميدان يمكن تزييفها ببيان صحفي أو تراجع تكتيكي في منتصف المعركة. فما يحدث اليوم من محاولات محمومة للتنصل من “المحور الإيراني” ليس سوى فصل جديد من فصول الخداع الذي يمارسه جيش الحركة الإسلامية؛ ذلك الكيان الذي لم يكن يوماً مؤسسة وطنية جامعة، بل ذراعاً مسلحة حمت امتيازات أبناء النخب النيلية منذ فجر الاستقلال، قبل أن تلتحف بعباءة “التمكين” الإخواني لثلاثة عقود مضت.
لا يمكن لعاقل أن يفصل بين عقيدة هذا التنظيم وبين التوجهات التي دفعت بوزير المالية جبريل إبراهيم —في إطار تحالفه النفعي مع المركز النيلي— للقيام بزيارته الموثقة إلى طهران في نوفمبر 2024 لفتح أبواب التعاون العسكري تحت غطاء “الضرورة الوطنية”. في تلك الأثناء، كانت أبواق النخبة المهيمنة تضج بالتكبير والتهليل لوصول ما أسموه “العِدّة الجديدة”، وكأن مصير البلاد بات رهينة لمسيرات إيرانية كاسدة، في مقايضة رخيصة لسيادة السودان مقابل بقاء سلطة “المركز” التي ترى في بقية أقاليم السودان مجرد أطراف تابعة.
إن التناقض الصارخ يتجلى حين يظن قادة هذا الجيش أننا نملك “ذاكرة سمكية”؛ فبالأمس القريب خرج العقيد إبراهيم الحوري —المعبر الأصيل عن وجدان التنظيم داخل الثكنات— ليبشرنا في لحظة “تجلي” أيديولوجي بأن “الخميني وصل إلى مدينة الدبة”. وحين أحدث المنشور ضجيجاً دولياً، تراجع بكل برود مدعياً أنه “كان يمزح”! إن هذا الاستهتار يثبت أن مصائر البلاد أصبحت مادة للمزاح السميك لدى نخب لا ترى في الدولة سوى ضيعة تاريخية خاصة بها.
وتكتمل فصول المسرحية بخروج ناجي عبد الله في “إفطار رمضاني” متوعداً بالزحف البري، ليصدر جيش الحركة الإسلامية بياناً يقطر زيفاً يدعي فيه أن أولئك المسلحين لا ينتمون للقوات المسلحة. إن الحقيقة التي يهربون منها هي أن “الحركة الإسلامية” ليست إلا الوجه الأحدث والغطاء العقدي الذي استحدثته النخبة النيلية لضمان استمرار سيطرتها على المؤسسة العسكرية التي احتكرتها لـ 70 عاماً. إنهم “جسد واحد” في الغرف المظلمة، و”غرباء” فقط في البيانات الموجهة للخارج لتفادي العزلة الدولية.
إن هذه التصريحات “المنفلتة” ليست إلا توزيع أدوار مدروس داخل منظومة واحدة تفتقر للحد الأدنى من احترام العقول؛ فالحوري يسكب حبر التنظيم بصفته العسكرية، وناجي عبد الله يمارس دور “الذراع الميداني”، ثم يأتي بيان “التنصل” الهزيل لتجميل وجه الإرهاب المنظم الذي يرتدي بزة رسمية بينما قلبه معلق بأجندة “النخبة”. نحن لا نتحدث عن اجتهادات، بل عن بنية سلطوية يتبادل فيها جيش التنظيم الأدوار بحسب اتجاه الرياح، مضحين بأدواتهم إعلامياً حين يصبح وجودهم عبئاً، ومتناسين أن التاريخ لا يغفر للمتلونين الذين غامروا بسيادة البلاد من أجل “عِدّة” إيرانية طارت مع أول طائرة مسيرة فقدت بوصلتها.
إن الرهان اليوم ليس على البيانات، بل على تفكيك هذا التحالف العضوي بين احتكار النخب النيلية للسلطة وبين توحش الحركة الإسلامية في الجيش، للعبور نحو فضاء وطني حقيقي لا تسوقه الأوهام الأيديولوجية ولا الامتيازات الجهوية.
الجمهورية الثانية
وإن طال السفر




