رأي

الحرب باسم الدين من أجل السلطة

عبد العزيز بخات المحامي

 

عبدالعزير بخات المحامي 

لم تكن القبلية في تاريخ الأزمات والحروب في السودان بندا في اتفاقية سلام ولا مادة في مفاوضات سياسية ولم يثبت في أي وثيقة وطنية أو إقليمية أو دولية أن القبائل السودانية هي التي صنعت الحرب أو قررت مصيرها بل إن الوقائع السياسية والقانونية تؤكد أن الحروب التي شهدها السودان منذ عقود كانت صراعا على السلطة بين مراكز القوة في الدولة وأن القبائل وأبناء الشعب السوداني لم يكونوا سوى ضحايا لهذا الصراع الذي جرى توظيفهم فيه قسرا أو تضليلا

إن قراءة التاريخ السياسي السوداني تكشف بوضوح أن الحركة الإسلامية التي سيطرت على السلطة في السودان لما يقارب خمسة وثلاثين عاما لم تقدم نموذجا لدولة التنمية أو العدالة أو الاستقرار بل قادت البلاد إلى مسار من الحروب والانقسامات والانهيار المؤسسي الأمر الذي يثبت أن مشروعها لم يكن مشروعا وطنيا لبناء الدولة وإنما كان مشروعا للتمكين السياسي والسيطرة على مفاصل السلطة والموارد باسم الدين وبشعارات دينية جرى استخدامها في غير موضعها

ومن الناحية السياسية والقانونية فإن رفع شعار الدين في معارك السلطة يمثل انحرافا خطيرا عن مقاصد الدين وعن جوهر الدولة الحديثة لأن الدين عندما يستخدم أداة للتحريض أو التجييش العسكري يفقد قدسيته ويتحول إلى وسيلة للصراع السياسي وهو ما حدث في السودان حيث تم الزج باسم الإسلام في حرب لا علاقة لها بالإسلام ولا بقيمه ولا بمقاصده

إن تصوير الحروب السياسية على أنها حروب دينية يمثل تضليلا تاريخيا وتشويها متعمدا للإسلام لأن الإسلام في جوهره دين عدل ورحمة وصدق وتسامح وهو دين يحرم الظلم والعدوان ويقيم ميزان الكرامة الإنسانية على العدل والإحسان وليس على القتل والدمار والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد

لقد قدم الإسلام عبر تاريخه الإنساني رسالة أخلاقية عظيمة تقوم على الرحمة والعدل والمساواة بين البشر ولم يكن في يوم من الأيام دعوة لتمزيق المجتمعات أو تحويل الدين إلى راية للحرب من أجل السلطة أو الغنيمة السياسية ومن يرفع الدين ليبرر القتل أو يدفع الناس إلى الموت من أجل صراع سياسي إنما يسيء إلى الدين أكثر مما يخدمه ويجعل من الدين ستارا لأطماع السلطة

إن المسؤولية التاريخية والسياسية تقتضي القول بوضوح إن هذه الحرب هي حرب سلطة ونفوذ وليست حرب دين وليست حرب قبائل وإن محاولة إقحام القبائل السودانية في هذا الصراع تمثل ظلما كبيرا للشعب السوداني لأن القبائل في السودان ليست كيانات حرب وإنما مكونات اجتماعية وثقافية شكلت عبر التاريخ نسيج المجتمع السوداني المتنوع

ولهذا فإن الزج بأبناء القبائل في معارك السلطة يمثل جريمة سياسية وأخلاقية لأنه يحول المواطنين إلى وقود لحروب لا تخدم مصالحهم ولا تحمي مستقبلهم بل تدمر حياتهم وتزرع الكراهية بينهم

إن السودان لا يحتاج إلى حروب جديدة ولا إلى شعارات دينية في معارك السلطة وإنما يحتاج إلى مشروع وطني يقوم على دولة القانون والعدالة والمواطنة المتساوية دولة تحترم كرامة الإنسان السوداني وتعيد الاعتبار لمعنى الوطن الذي يتسع لكل أبنائه دون تمييز قبلي أو ديني أو سياسي

إن واجب السودانيين اليوم ليس الانجرار وراء دعاة الحرب ولا الاستجابة لمحاولات التحريض باسم القبيلة أو الدين بل توحيد إرادتهم من أجل إنهاء هذه الحروب ورفض تحويل الوطن إلى ساحة لصراع السلطة ورفض استخدام الدين ستارا للقتل والدمار لأن الدين الإسلامي سيبقى دينا للرحمة والعدل مهما حاولت بعض القوى السياسية استخدامه غطاء لحروبها

فالإسلام دين محبة وسلام وعدالة وصدق وليس راية لمعارك السلطة ولا خطابا لتبرير الدماء ومن يحاول إنزال هذا الدين العظيم إلى مستوى الصراع السياسي الضيق إنما يسيء إلى الإسلام وإلى السودان وإلى التاريخ معا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!