رأي

الجبن السياسي… حين يهرب دعاة التمكين من مواجهة الحقيقة

عابدة مختار

 

 عابدة مختار

تنفّس كثيرون في العالم، وفي السودان على وجه الخصوص، الصعداء عقب إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً. لم يكن ذلك القرار حدثاً عابراً في سياق السياسة الدولية، بل خطوة حملت في طياتها دلالات عميقة بالنسبة لشعب عانى طويلاً من تبعات تجربة حكم ارتبطت باسم هذه الجماعة، وما خلّفته من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

فقد شكّلت سنوات حكم الإسلاميين في السودان مرحلة معقّدة من تاريخ البلاد، حيث تمددت الجماعة في مفاصل الدولة ومؤسساتها، وأحاطت نفسها بشبكات نفوذ واسعة داخل الأجهزة المدنية والعسكرية والاقتصادية. وباسم المشروع الأيديولوجي، تشكّلت منظومة تمكين عميقة استندت إلى موارد الدولة وإمكاناتها، لتبني مراكز قوة اقتصادية وسياسية امتدت آثارها داخل السودان وخارجه.

لكن المفارقة اللافتة أن بعض رموز هذا المشروع، الذين طالما رفعوا شعارات الحاكمية والتمكين، بدوا في مواجهة قرار التصنيف وكأنهم يتبرأون من إرثهم السياسي، فبدأت محاولات تغيير الأسماء واللافتات، وكأن الأزمة مجرد عنوان يمكن استبداله أو واجهة يمكن تبديلها. غير أن القرارات الدولية في مثل هذه القضايا لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق بالمنهج والسلوك والشبكات التي تشكّلت عبر السنوات.

في المقابل، استقبلت قطاعات واسعة من السودانيين القرار بارتياح واضح، ليس بدافع التشفي أو الرغبة في الانتقام، بل لأن كثيرين رأوا فيه بداية مسار قد يسهم في تفكيك منظومات العنف والصراع التي أنهكت البلاد. فقد دفعت الحرب والانقسامات السياسية المتواصلة ملايين السودانيين إلى دفع أثمان باهظة، بين قتيل وجريح ونازح، في واقع لم يترك مجالاً للحياد أو الصمت.

ولعل أكثر ما عبّر عن هذا الشعور هو خروج بيانات الترحيب من قوى مدنية وسياسية واجتماعية مختلفة، رأت في القرار خطوة يمكن أن تفتح الباب أمام معالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها. فالسودان، بما يملكه من تنوع اجتماعي وثقافي عميق، لا يمكن أن يستقر في ظل صراعات أيديولوجية حادة أو مشاريع احتكار للسلطة باسم الدين أو أي شعار آخر.

إن ما يريده السودانيون اليوم ليس مجرد قرارات أو تصنيفات، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على دولة القانون والمواطنة المتساوية، دولة تحمي حقوق الإنسان وتصون كرامته بعيداً عن العنف والتطرف. فحق الحياة الكريمة ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل قيمة إنسانية أساسية كفلتها القوانين والدساتير والمواثيق الدولية.

ومع استمرار التحولات الإقليمية والدولية، يبقى الأمل معقوداً على أن تسهم هذه التطورات في إنهاء دوائر الصراع، وأن تفتح الطريق أمام سلام حقيقي يطوي صفحة السنوات القاسية، ويمنح السودان فرصة جديدة لبناء دولة تتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو احتكار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!