رأي

ورثتم السلوك… فلم يعد الكيزان بحاجة إلى تنظيمكم

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

لم تعد المسألة تتعلق بجماعة تُنظّم صفوفها أو تُحكم سيطرتها على الدولة، بل بما هو أخطر من ذلك: انتقال الطريقة نفسها إلى من يفترض أنهم نقيضها.

لم يسقط كل شيء.

سقطت الواجهة فقط.

أما الأساليب من احتكار، وتعتيم، وإدارة الدولة كملكية خاصة، فقد وجدت طريقها بهدوء إلى أيدٍ جديدة، ترفع شعارات مختلفة، لكنها تمارس ذات الفعل.

لم يكن السودان يوماً بلداً فقيراً… لكنه أُدير دائماً بعقلية الفقر. بلد تتعدد فيه الموارد، وتكفي لو أُديرت بحكمة لرفع الحاجة عن أهله، لا لإدخالهم في صراع دائم على السلطة. ومع ذلك، نرى التهافت ذاته، اللهاث ذاته، كأن المناصب هي المورد الوحيد المتبقي.

عندما تكون الدولة غنية، ويكون الصراع عليها بهذه الشراسة، فالمشكلة ليست في قلة الموارد… بل في طريقة التفكير تجاهها. الدولة لم تُفهم كمسؤولية، بل كغنيمة، والمنصب لم يُنظر إليه كتكليف، بل كفرصة.

ولو أُديرت ثروات البلاد بعقل مختلف، حتى عبر مثال واحد فقط مثل الصمغ العربي بعد تصنيعه وتطويره بدلاً من تصديره خاماً، لما احتاج المواطن أن يقلق على راتبه داخل جهاز الدولة. نحن نتحدث عن منتج واحد فقط، لكنه يُبخس ويُترك دون قيمة مضافة، ليس لغياب المعرفة، بل لهيمنة منطق العمولة والوساطة والربح السريع على حساب الدولة.

في هذا المناخ، لم يكن غريباً أن تتحول واحدة من أهم مهام الثورة، استرداد أموال الشعب، إلى تجربة مشوبة بذات العلل التي قامت الثورة ضدها.

لجنة إزالة التمكين، التي كان يُفترض أن تكون نموذجاً للعدالة المفتوحة، وجدت نفسها تعمل في نطاق مغلق. ليس السؤال عن النوايا، بل عن الأثر: كيف تُدار أموال منهوبة تخص شعباً كاملاً دون أن يُمنح هذا الشعب قنوات واضحة للمشاركة؟

أين المنصات التي تستقبل البلاغات؟

أين الوسائل التي تتيح تقديم المستندات؟

وأين الشفافية التي تُخبر الناس بما استُرد وكيف أُدير؟

ما حدث لا يمكن قراءته كخلل إداري فقط، بل كامتداد طبيعي لعقلية راسخة: احتكار المعلومة، الخوف من الانفتاح، والعمل داخل دوائر ضيقة.

الأمر لا يتوقف عند ملف بعينه، بل يكشف أزمة أعمق داخل القوى المدنية نفسها. هذه القوى لم تُغلق الباب بعد أن فتحته… بل لم تفتحه أصلاً. كل ما طُرح حتى الآن هو وعد بعرض النتائج على الناس، وكأن دور الشعب يقتصر على المتابعة بعد انتهاء الفعل، لا المشاركة في صناعته.

وفي المقابل، لا يتطلع الشعب إلى هذا التشتت، ولا يعنيه صراع المواقع بين هذه القوى بقدر ما يعنيه أن تتضافر جهودها في لحظة مفصلية كهذه. فخلافاتهم، مهما بدت كبيرة في نظرهم، لا تحمل ذات الأهمية لدى من ينتظر نتائج حقيقية على الأرض، لا سجالات مستمرة بلا أثر.

وليس من الصعب ملاحظة أن هذا التشتت لا ينفصل عن نظرة ترى في السلطة نصيباً يُتنازع عليه، لا مسؤولية يُتشارك في حملها.

لكن نتسائل: بأي آلية يُختطف صوت هذا الشعب، ثم يُعاد إليه في صورة نتائج؟ ومتى يُعامل المواطن كشريك لا كمتلقٍ؟ ومتى يُفتح الباب فعلاً أمام من يريد المساهمة في تفكيك إرث الاستبداد؟

القضية ليست في النوايا، بل في تعريف من يملك الحق: هل هو الشعب… أم من يتحدث باسمه؟

ما يحدث يعكس إشكالاً أعمق: إرادة التغيير موجودة، لكن أدواته ما زالت محصورة داخل نفس القوالب القديمة.

ورغم اختلاف هذه القوى عن الكيزان في كل شيء تقريباً، إلا أنها ورثت عنهم أخطر ما في التجربة: إدارة الشأن العام كمساحة مغلقة، مع نزعة واضحة نحو التفرد بالقرار واحتكار التمثيل.

في المقابل، يمتلك الكيزان قدرة تنظيمية على تجاوز خلافاتهم الداخلية والتوحد عند الحاجة لتحقيق أهدافهم، بينما تظل القوى المدنية أسيرة انقساماتها حتى في لحظات الحسم.

وهذه ليست مساواة بين المشروعين، بل إشارة إلى خلل في أدوات العمل لدى من يفترض أنهم جاءوا لتغييرها.

فهل نحن أمام تكرار لتجربة حكومة الثورة السابقة الفاشلة، أم أن هذه الحرب، بكل كلفتها، لم توقظ بعد ما يكفي من الرشد داخل القوى المدنية؟

لم يعد الكيزان بحاجة إلى العودة كتنظيم… لأن جزءاً من طريقتهم في الحكم ما زال يعمل، حتى في غيابهم.

وبغياب فتح باب المشاركة وبناء شراكة حقيقية، يصبح الحديث عن انتقال ديمقراطي مجرد شكل بلا مضمون. فالدولة التي لا تفتح أبوابها لمواطنيها لا تختلف كثيراً عن تلك التي ثاروا عليها، والعدالة التي تُدار في غرف مغلقة تفقد معناها، حتى لو حملت اسماً ثورياً.

ولا يمكن كسر إرث الاستبداد بإحياء منطقه تحت مسميات مختلفة.

✨ الخاتمة:

لم يعد الكيزان بحاجة إلى العودة… لأنهم لم يغادروا السلوك.

وما لم يتغير هذا السلوك، سيظل السودان يدور في نفس الدائرة، مهما تبدلت الأسماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!