رأي

حرب بلا أفق

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

في السودان اليوم، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل حالة سياسية مغلقة تُعيد إنتاج نفسها كلما اقتربت من نهايتها. ما يُبقي هذا الصراع حيًا ليس فقط توازن القوة في الميدان، بل طبيعة البنية التي تديره، والرهانات المرتبطة باستمراره.

ثمة قناعة تتشكل لدى مراقبين بأن الحرب لم تعد وسيلة لتحقيق أهداف، بل أصبحت هدفًا بحد ذاتها لدى بعض القوى. فكلما طال أمدها، تعززت مواقع نفوذ، وتعمقت شبكات مصالح، وتراجعت فرص المساءلة. وفي مثل هذا السياق، يصبح وقف القتال مخاطرة، لأنه يفتح الباب أمام أسئلة مؤجلة حول السلطة والثروة والمسؤولية.

هذه المعادلة تُفسر جزئيًا تعثر كل مبادرات السلام. فالدعوات إلى التهدئة تصطدم بجدار صلب من الحسابات المعقدة، حيث لا يرى بعض الفاعلين في التسوية مكسبًا واضحًا، بل تهديدًا مباشرًا لمواقعهم. لذلك، يتم الالتفاف على أي مسار تفاوضي، إما برفع سقف الخطاب، أو بإعادة تعريف الصراع بصورة تُصعّب إنهاءه.

في الوقت ذاته، تلعب الصورة الذهنية دورًا حاسمًا في مسار الحرب. فكل طرف يسعى لتقديم نفسه باعتباره الخيار الأقل كلفة أو الأكثر شرعية، خاصة أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين. هذه المعركة غير المرئية لا تقل أهمية عن المعارك في الميدان، لأنها تؤثر على تدفق الدعم، وعلى شكل المواقف الخارجية.

لكن الداخل السوداني يدفع الثمن الأكبر. فمع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتآكل مؤسسات الدولة، وتنهار الخدمات، وتتعمق الانقسامات الاجتماعية. ومع غياب أفق واضح للحل، يتحول النزاع إلى واقع يومي، تتكيف معه المجتمعات رغم كلفته الباهظة.

مراقبون يرون أن أخطر ما في هذه المرحلة هو تطبيع الحرب، أي تحولها من حالة استثنائية إلى وضع دائم. حين يحدث ذلك، يفقد المجتمع قدرته على الضغط من أجل السلام، وتفقد السياسة معناها كأداة للتغيير.

الخروج من هذه الدائرة يتطلب كسر المعادلة التي تجعل الحرب مربحة لبعض الأطراف. وهذا لن يتحقق إلا بإعادة تعريف المصالح، وخلق توازن جديد يدفع نحو التسوية، لا نحو الاستمرار في القتال.

حتى ذلك الحين، ستظل الحرب في السودان بلا أفق… مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!