
زينب حسن سعيد
إذا صمتت المدافع عن ضميرها، تكفّل الأحرار بإيقاظ العالم
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، جاء بيان تحالف منظمات المجتمع المدني السوداني في كمبالا ليؤكد أن المجتمع، رغم الجراح، لا يزال قادرًا على إنتاج موقف أخلاقي صلب، يواجه به موجات العنف والتزييف. لم يكن البيان مجرد رد فعل عابر، بل تعبيرًا واعيًا عن مسؤولية مدنية متنامية، تدرك أن الصمت في مثل هذه اللحظات تواطؤ، وأن الكلمة قد تكون آخر ما تبقى للدفاع عن الإنسان.
لقد عكس بيان كمبالا نضجًا لافتًا في خطاب المجتمع المدني، حيث جمع بين الإدانة الواضحة والتأطير القانوني، مقدمًا رواية متماسكة تُعيد وضع الانتهاكات في سياقها الحقيقي، بعيدًا عن الضبابية التي تحيط بمسارات النزاع. لم يكتفِ البيان بسرد الوقائع، بل ارتقى بها إلى مستوى المساءلة، واضعًا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية.
إن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في مضمونه، بل في الجهة التي تقف خلفه؛ تحالف واسع من المنظمات والكيانات المدنية التي توحدت رغم اختلاف مجالاتها، لتعلن موقفًا واحدًا: أن حماية المدنيين ليست قضية قابلة للتفاوض، وأن استهداف المرافق الحيوية يمثل انتهاكًا لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه.
ويبرز هنا الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني، التي لم تعد تكتفي بدور المراقب، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الوعي العام، وتوجيه النقاش نحو جوهر الأزمة. فمن خلال مثل هذه البيانات، تُحفظ الذاكرة، وتُصان الحقيقة من التحريف، ويُمنح الضحايا صوتًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
كما أن صدور البيان من كمبالا يحمل دلالة إضافية، إذ يعكس امتداد الفعل المدني السوداني خارج الحدود، وقدرته على بناء شبكات تضامن عابرة للجغرافيا، تُعيد طرح القضية السودانية في الفضاء الإقليمي والدولي بلغة الحقوق والعدالة.
في ظل هذا المشهد، يتأكد أن المجتمع المدني ليس مجرد مكمّل للمؤسسات، بل هو ركيزة أساسية في أي مشروع لإعادة بناء الدولة. فحين تتعطل أدوات الحماية الرسمية، ينهض المجتمع ليملأ الفراغ، حاملاً على عاتقه مسؤولية الدفاع عن القيم، وصون الكرامة، وإبقاء جذوة الأمل حيّة.
إن بيان منظمات المجتمع المدني السوداني في كمبالا ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار طويل من العمل المدني الواعي، الذي يراهن على الكلمة الصادقة، وعلى قدرة المجتمع على استعادة توازنه، مهما اشتدت العواصف.




