
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ما يجري لا يُقاس بمعايير الحروب التقليدية بين قوتين مسلحتين، بل ينتمي إلى نمط معروف في تاريخ الصراعات حين تعجز الجيوش عن الحسم في الميدان، فتنتقل المواجهة إلى المجتمع ذاته. عندها تتحول القرى إلى أهداف، ويُدرج المدنيون ضمن نطاق الاستهداف، وتُستعمل مقومات الحياة بوصفها أدوات ضغط لإضعاف أي سند اجتماعي محتمل.
هذا النمط موثق في تجارب متعددة عبر الزمن؛ من حملات القمع الاستعماري في أفريقيا، إلى ما وقع في كردستان العراق خلال حملة الأنفال، مروراً ببرامج الاستهداف الواسع للمدنيين في حرب فيتنام. والقاسم المشترك في هذه الوقائع أن الاستهداف لم يكن موجهاً نحو المقاتلين وحدهم، بل امتد ليشمل البيئة الاجتماعية التي يُفترض أنها توفر لهم الحماية أو الدعم.
النتائج في جميع تلك الحالات جاءت متقاربة في جوهرها: مجازر، وتهجير قسري، وتفكك في البنية الاجتماعية. ورغم اختلاف السياقات، ظل الأثر واحداً؛ اتساع رقعة العنف بدل انحسارها، وتراكم أسباب النزاع بدل معالجتها. وقد حسم القانون الدولي هذا الباب بوضوح، إذ يصنف استهداف المدنيين كجريمة حرب، ويُدرجه ضمن الجرائم ضد الإنسانية متى ما تم بصورة منهجية وعلى نطاق واسع.
في السياق السوداني، يتجلى هذا النمط بوضوح في مناطق غرب البلاد، حيث تتعرض مجتمعات بعينها لضغوط عسكرية وأمنية تمس جوهر وجودها اليومي. القرى، ومصادر المياه، وشبكات العيش الأساسية تتحول إلى نقاط استهداف، بما يعكس توجهاً يتجاوز الاشتباك العسكري إلى معاقبة بيئة اجتماعية كاملة.
ويأخذ هذا السلوك طابع العقاب الجماعي، إذ يُستهدف الناس على أساس انتمائهم الجغرافي أو الإثني، لا على أساس دورهم المباشر في القتال. وتتمثل النتيجة المباشرة في خسائر بشرية واسعة، وموجات نزوح متكررة، وتدمير متعمد للبنية التي تحفظ تماسك المجتمع وقدرته على الاستمرار.
وتندرج هذه الممارسات ضمن سياق موثق في الإقليم، لا سيما خلال حرب دارفور، التي ارتبطت بانتهاكات واسعة شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق تقارير دولية متعددة. وما يظهر اليوم ليس خروجاً عن هذا المسار بقدر ما هو استمرار له بأدوات وظروف مختلفة، مع بقاء المنطق نفسه قائماً: الضغط على المجتمع بدلاً من معالجة جذور الصراع.
ووفق القانون الدولي الإنساني، فإن هذه الأفعال تحمل توصيفات قانونية واضحة لا تحتمل التأويل: استهداف المدنيين يُعد جريمة حرب، والتهجير القسري الواسع يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، أما الاستهداف الممنهج لمجموعة سكانية محددة فقد يدخل في نطاق الإبادة الجماعية متى ما ثبت القصد.
في نيالا، تعرّض اجتماع ضم قوى مدنية لهجوم بطائرة مسيّرة، في استهداف مباشر للفضاء المدني والسياسي. هذه الواقعة لا تقف عند حدود حدث عابر، بل تكشف عن اتجاه يضرب إمكانية العمل المدني المنظم، ويقوض أي مساحة للتنسيق أو التعبير خارج السيطرة العسكرية.
ويعكس استهداف تجمع من هذا النوع انتقال دائرة الاستهداف من المجال العسكري إلى المجال المدني، بما يفرض حالة من الردع والتقويض المتعمد لقدرة القوى المدنية على الحركة والتأثير. ويتمثل الأثر المباشر في تضييق المجال العام، وإضعاف إمكانيات التمثيل السياسي المستقل، وفرض واقع تتحكم فيه القوة وحدها في تفاصيل المشهد.
ونخلص إلى أن جرائم استهداف الحواضن، عبر التاريخ، لم تحقق استقراراً في أي سياق طُبقت فيه، ولن تحقق ذلك مستقبلاً. فهذا النمط لا يفضي إلى إخضاع مستدام، بل يعمّق جذور الصراع ويُبقيه مفتوحاً على احتمالات الانفجار.
وأول الغيث تصنيف هذه الجماعة بالإرهابية قولاً وفعلاً، والبقية تأتي عبر مسار واضح من المحاسبة والمساءلة، بما يضع حداً لدورات العنف المتكررة، ويفتح الباب أمام معالجة حقيقية تستند إلى القانون لا إلى منطق القوة.




