رأي

يخاطب المجرم  ذاكرة الضحايا: حينما يتحدث الخصم باسم الحلم  خطاب البرهان في أبريل بين مفارقة التاريخ وامتحان الحقيقة

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

التاريخ لا يُزوَّر، لكنه يُستدعى أحيانًا في غير موضعه

ليس أكثر استفزازًا للوعي من أن يُستدعى التاريخ ليُستخدم ضد معناه. في السادس من أبريل، لا يستدعي السودانيون مجرد ذكرى، بل يستحضرون لحظة أخلاقية فاصلة، لحظة قالت فيها الجماهير كلمتها في وجه السلطة العسكرية والاستبداد السياسي، وأسقطت نظامًا لم يعد يحتمل البقاء. تلك ليست مناسبة خطابية، بل معيار صارم تُقاس به المواقف، وتُفضح عبره التناقضات

ومن هنا، فإن خطاب قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في ذكرى أبريل، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد كلمة بروتوكولية، بل بوصفه حدثًا سياسيًا مكثفًا بالدلالات. فحين يتحدث قائد المؤسسة التي كانت، عبر تاريخ طويل، جزءًا أصيلًا من بنية الاستبداد، عن ثورة قامت ضد تلك البنية، فإننا أمام مفارقة لا تُحتمل، بل أمام لحظة تتطلب تفكيكًا دقيقًا، لا مجاملة فيها ولا مواربة.

إن الجيش السوداني، كما خبرته ذاكرة السودانيين، لم يكن يومًا مؤسسة محايدة في الصراع على السلطة. بل ظل، في محطات حاسمة، طرفًا مباشرًا في تعطيل التحول الديمقراطي، عبر الانقلابات، أو عبر الشراكات السياسية التي أعادت إنتاج الاستبداد في صور جديدة. ومن أكتوبر 1964، إلى أبريل 1985، إلى ديسمبر 2018، ظل النمط ذاته يتكرر: شعب يثور، وعسكر يتدخلون، ومسار مدني يُختطف.

لكن الأمر لا يتوقف عند حدود السياسة. فالسجل المرتبط بالمؤسسة العسكرية يتجاوز ذلك إلى وقائع دامية لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها بخطاب احتفالي. لقد شهد السودان، على امتداد عقود، حروبًا أهلية مدمرة، خاصة في الجنوب، حيث قُتل الملايين، وكان المدنيون في قلب المأساة. كما شهدت مناطق واسعة من البلاد، في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، انتهاكات جسيمة، تتراوح بين القتل الجماعي، والتهجير القسري، وجرائم التطهير العرقي.

هذه ليست روايات سياسية، بل وقائع موثقة في تقارير دولية، وشهادات ناجين، وذاكرة شعب لا تنسى. وبالتالي، فإن أي خطاب يتجاهل هذه الحقائق، أو يتجاوزها دون مساءلة، هو خطاب يفتقر إلى الحد الأدنى من الصدقية، مهما بلغت بلاغته.

ثم إن السياق الراهن لا يقل خطورة عن الماضي. فالحرب الدائرة اليوم، وما صاحبها من انتهاكات ودمار واسع، تعيد طرح الأسئلة ذاتها حول طبيعة المؤسسة العسكرية، ودورها، وعلاقتها بالمجتمع والدولة. كيف يمكن لمؤسسة متهمة بالانخراط في الصراع، أن تقدم نفسها كضامن للاستقرار؟ وكيف يمكن لمن لم يقدّم مراجعة حقيقية لسجله، أن يتحدث باسم المستقبل؟

وفي قلب هذه الأسئلة، يبرز خطاب البرهان في أبريل، لا كإجابة، بل كمحاولة للالتفاف على جوهر القضية. فالثورات، في معناها العميق، لا تُحتفى بها من قبل مناهضيها، ولا تُستدعى لتجميل الحاضر، بل لتصحيح المسار. وأبريل، تحديدًا، ليس ذكرى محايدة، بل لحظة مواجهة بين إرادة شعب وسلطة عسكرية.

إن استدعاء هذه الذكرى دون الاعتراف بأن المؤسسة العسكرية كانت، في لحظات مفصلية، عقبة أمام تطور الدولة المدنية، هو نوع من إعادة كتابة التاريخ، لا قراءته. وهو ما يضع الخطاب في خانة التوظيف السياسي، لا الاستحضار الصادق.

ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي في هذا المشهد، حيث ظل السودان، في فترات مختلفة، عرضة لتأثيرات خارجية، أسهمت في تعقيد أزمته، وأضعفت استقلال قراره. وفي مثل هذا السياق، تصبح مسألة السيادة الوطنية جزءًا لا يتجزأ من معركة الديمقراطية، لا شعارًا منفصلًا عنها.

إن ما يجعل خطاب البرهان في أبريل أكثر إثارة للجدل، ليس فقط مضمونه، بل توقيته، وسياقه، والجهة التي صدر عنها. فهو يأتي في لحظة يعيش فيها السودان واحدة من أعقد أزماته، حيث تتداخل الحرب مع الانقسام السياسي، والانهيار المؤسسي، والتدهور الإنساني. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكفي الكلمات، بل تُطلب المواقف.

وأبريل، في هذا كله، يظل أكبر من أي خطاب، وأوسع من أي محاولة للاحتواء. هو ذاكرة مقاومة، ورمز لكرامة شعب، ودليل على أن إرادة الجماهير، مهما تعرضت للانتكاسات، قادرة على النهوض من جديد.

إن الذين خرجوا في أبريل، لم يكونوا يبحثون عن سلطة بديلة، بل عن دولة مختلفة. دولة تُبنى على أسس العدالة، والمواطنة، وسيادة القانون. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة مهنية، لا فاعلًا سياسيًا. دولة تُدار بإرادة شعبها، لا بقرارات تُفرض عليه.

ومن هنا، فإن أي حديث عن أبريل، لا يمر عبر هذا الفهم، يظل حديثًا ناقصًا، مهما بدا مكتملًا في ظاهره.

ختامًا،

أبريل ليس ذكرى تُستدعى، بل ميزان يُحتكم إليه.

ومن يقف أمامه، لا يُسأل عمّا يقول، بل عمّا فعل، وعمّا لم يفعل.

أبريل

يا شهر الانتصار،

سيطل من خلف القفار،

قمحًا ونخلًا وإخضرارًا،

وعدًا لا يُخلف،

وحلمًا لا يُهزم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!