رأي

ثورة مُصادَرة

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يعد سلوك عبد الفتاح البرهان قابلًا للتفسير بوصفه مجرد تخبّط سياسي أو سوء تقدير مرحلي، بل بات تعبيرًا مكشوفًا عن مشروعٍ متكامل يعيد إنتاج السلطة عبر أدوات الثورة ذاتها، بعد تفريغها من مضمونها،

فالرجل الذي يسعى اليوم إلى التماهي مع رمزية الشارع، هو نفسه الذي أسهم في تفكيك تلك الرمزية، وضرب مرتكزاتها في لحظاتٍ حاسمة، بعد أن كادت البلاد أن تخطوا نحو أعتاب تحول تاريخي.

هذا التناقض لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الشرعية ذاته، إذ يبدو أن إستدعاء خطاب الثورة ليس إلاَّ محاولة لإعادة تدوير شرعية مفقودة، عبر إستعارة لغة الشارع دون الإلتزام بشروطه.

هنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لمن أجهض المسار المدني، وأعاد إنتاج الحكم العسكري الكيزاني، أن يتحدث بإسم الإنتقال؟ وكيف تتحول الثورة، التي قامت ضد الإقصاء، إلى غطاء لممارسات تعيد تكريسه بصورة أكثر حدّة؟في قلب هذه المفارقة، تبرز التحولات داخل المؤسسة العسكرية كدليل إضافي على طبيعة المشروع القائم.

التجاوزات التي طالت مبدأ التراتبية العسكرية، وتقديم شخصيات بعينها على حساب أخرى أكثر خبرة-(تجاوز الفريق الكباشي،وتقديم العطا عليه)-لا تعكس فقط خللًا إداريًا، بل تشير إلى إعادة تشكيل ممنهجة لمركز القوة داخل الجيش،تقوم على الولاء لا الكفاءة، وعلى الإنتماء الضيق لا المهنية القومية.

هذا النمط من الإدارة لا يهدد فقط تماسك المؤسسة العسكرية، بل يفتح الباب أمام تسييسها بشكل غير مسبوق، ويحوّلها من مؤسسة وطنية جامعة إلى أداة ضمن صراع مراكز النفوذ،وهو تحول خطير، لأن الجيوش حين تفقد حيادها، تفقد معها الدولة أحد أهم أعمدتها،وهذا ما يسعى له البرهان الآن.

الأخطر من ذلك، هو تزامن هذه التحولات مع تصاعد خطاب إقصائي يُعاد إنتاجه بعناية، ويستهدف مكونات بعينها من النسيج السوداني،هذا الخطاب لا يمكن قراءته بوصفه إنفعالًا عرضياً، بل كجزء من بيئة سياسية تُصاغ لإدامة الصراع، وإعادة تعريف “العدو” الداخلي، بما يبرر إستمرار السيطرة بالقوة،بهذا المعنى، لا تبدو الأزمة مجرد صراع على السلطة، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة مواطنة تتسع للجميع، أم دولة إمتيازات تُدار بمنطق الغلبة؟ الإجابة، كما تكشفها الوقائع، تميل للأسف نحو الخيار الثاني، حيث تُختزل الدولة في إرادة نخبة ضيقة، ترى في بقائها غاية تبرر كل الوسائل.

ما يغيب عن هذا المشهد عمدًا، هو أن هذا المسار لا يمكن أن يستمر دون كلفة وجودية، فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا بعد أن تُفرّغ مؤسساتها من مضمونها، ويُستبدل القانون بالولاء، والوطن بالمصلحة.

لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس عن البرهان وحده،أو رعونة تصرفاته و إرتجالية قراراته، بل عن المؤسسة التي تحيط به: هل ما زالت هناك إرادة داخلها لإستعادة مهنيتها وإستقلالها؟ وهل يمكن وقف هذا الإنحدار قبل أن يتحول إلى نقطة اللاعودة؟في لحظة كهذه، لا يكون الصمت موقفاً محايدًا، بل إصطفافًا غير معلن مع مسار الإنهيار التام لمؤسسات الدولة.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم: إما كسر دائرة إعادة إنتاج الأزمات، أو الإنزلاق نحو واقع تصبح فيه الثورة مجرد ذكرى، والدولة مجرد إسم بلا مضمون،وهذا ما سمعناه أسم على لسان الثعلب البرهان.

ولنا عودة بإذن الله

الثلاثاء،٧أبريل/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!