رأي

حميدتي… الرجل الذي اختار صفّ الشعب حين تردد الجميع

سمية النور دهب ،، دبلن 

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس الأدوار بحجم الظهور، بل بقدرة أصحابها على اتخاذ القرار حين يتردد الآخرون. هكذا تشكّلت ملامح المشهد السوداني في واحدة من أهم محطاته التاريخية، حين اندفعت الجماهير في موجةٍ عارمة كسرت جدار الخوف، وفتحت الباب واسعاً أمام ميلاد واقع جديد

لم تكن تلك اللحظة مجرد احتجاجات، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن زمن الهيمنة الأحادية قد انتهى، وأن إرادة السودانيين باتت قادرة على إعادة صياغة مصيرها. وفي قلب هذا التحول، برز اسم الفريق أول محمد حمدان دقلو كفاعلٍ حاسم في معادلة معقدة، اختار أن ينحاز فيها إلى الشارع لا إلى مراكز القوة التقليدية.

منذ البدايات الأولى للحراك الشعبي، كان واضحاً أن المشهد يتجه نحو مواجهة مفتوحة بين مشروعين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج السيطرة القديمة، وآخر يتطلع إلى تأسيس دولة مختلفة، تستند إلى الحرية والعدالة. في تلك اللحظة الدقيقة، لم يكن الانحياز خياراً سهلاً، لكن دقلو اتخذ موقفه بوضوح، واضعاً ثقله إلى جانب مطالب الجماهير.

ما ميّز هذا الموقف أنه لم يكن تكتيكاً عابراً، بل رؤية متكاملة أدركت أن بقاء الدولة لا يتحقق عبر القمع، بل عبر الاستجابة لصوت الناس. ولذلك، لعبت قوات الدعم السريع دوراً محورياً في كبح مسارات الانزلاق نحو الفوضى، وفي توفير مساحة مكّنت الحراك الشعبي من الاستمرار حتى تحقيق أهدافه الأساسية.

ومع سقوط النظام السابق، دخل السودان مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تختفِ مراكز النفوذ القديمة، بل أعادت ترتيب صفوفها في محاولة للعودة إلى المشهد. هنا برزت أهمية المواقف الثابتة التي حالت دون إعادة تدوير الأزمة، وأكدت أن الطريق نحو التغيير لا يمكن أن يُختصر أو يُلتف عليه.

في هذه المرحلة، لم يكن دقلو مجرد قائد عسكري، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. معركة تتجاوز السلاح إلى سؤال جوهري: كيف يمكن بناء وطن يتسع للجميع؟ هذا السؤال ظل حاضراً في مجمل تحركاته، سواء في مواقفه السياسية أو في إدارته للواقع الأمني المعقد.

ورغم الضغوط الكبيرة والحملات المتواصلة التي حاولت التشكيك في دوره، ظل متمسكاً بخيار الانحياز للشارع، معتبراً أن أي تراجع عن هذا المسار يعني فتح الباب أمام عودة الدائرة القديمة بكل تناقضاتها. وقد تجلى ذلك في استمرار المواجهة مع القوى التي سعت إلى إعادة السيطرة عبر أدوات متعددة، سياسية وعسكرية على حد سواء.

ومع تطور الأحداث ودخول البلاد في مرحلة صراع مفتوح، ازدادت تعقيدات المشهد، لكن الثابت ظل واحداً: أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على طبيعة الدولة التي ستنبثق من هذا المخاض. وفي هذا السياق، برز دور قوات الدعم السريع كقوة ترى نفسها في مواجهة مشروع مضاد يسعى لإعادة إنتاج الماضي.

إن قراءة هذا الدور لا تكتمل دون فهم السياق الأوسع، حيث لم تعد القضية مجرد صراع سلطة، بل صراع رؤى حول مستقبل السودان. وفي هذا الصراع، اختار دقلو أن يتموضع في الجبهة التي ترى في التغيير ضرورة لا خياراً، وفي العدالة شرطاً للاستقرار، وفي الحرية أساساً لأي بناء سياسي مستدام.

لقد أثبتت التجربة أن اللحظات الفاصلة لا تُصنع بالشعارات، بل بالمواقف. والمواقف التي اتخذها الفريق أول محمد حمدان دقلو خلال هذه المرحلة، جعلت منه أحد أبرز الفاعلين في مسار إعادة تشكيل المشهد السوداني، ليس فقط كقائد ميداني، بل كصاحب دور في رسم ملامح المستقبل.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الرهان الأكبر على قدرة هذا المسار على تحقيق أهدافه النهائية: دولة تقوم على القانون، وتحترم الإنسان، وتُدار بإرادة شعبها لا بوصاية أي جهة. وهو الرهان الذي ما زال مفتوحاً، لكنه يجد في هذه التجربة ما يعزز إمكانية تحققه.

هكذا تُقرأ الأدوار الكبرى… ليس من خلال الضجيج، بل من خلال أثرها في تغيير مسار التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!