رأي

الوجه الجديد للنازية السودانية يشرق من دلقو برفض الاخر

عبدالله محمد ادم  ،، كمبالا 

 

عبدالله محمد ادم  ،، كمبالا 

في مشهد يعيد إنتاج أسوأ كوابيس التاريخ خرج أهالي دلقو بالولاية الشمالية يرفعون لافتات الرفض ليس لعدو خارجي، بل لأبناء جلدتهم من دارفور وكردفان، الذين فروا من نيران حرب لم تشعلها قبائلهم، بل شنتها ميليشيات تتبع فكراً واحداً: فكر الحركة الإسلامية التي تزرع الوهم تلو الوهم، والاستعلاء تلو الاستعلاء في عقولهم.

ان ما حدث في دلقو ليس مجرد احتجاج على ضغوط خدمية أو بنية تحتية منهكة، بل تتويج لمرحلة خطيرة من التسميم الفكري الممنهج الذي تمارسه الحركة الإسلامية لعقود، فقد نجحوا في جعل المواطن البسيط في الشمال يرى في النازح الجائع الذي فقد أطفاله تحت القصف عدواً يجب أن يُطرد، بينما العدو الحقيقي هو من أطلق الرصاص وخطط للتطهير العرقي وهدم البيوت و المدارس و المشافي في دارفور و كردفان.

انها النازية السودانية، نفس السيناريو بوجوه مختلفة و لم يكن الشعب الألماني كله نازياً، لكن هتلر وآلته الدعائية نجحوا في غرس فكرة العرق السيد في أذهان الملايين فصدقوا أن اليهود والغجر والسلاف أقل منهم حقاً في الحياة و عندما حانت اللحظة الحاسمة، لم يتردد الجيران الطيبون في تسليم جيرانهم إلى المحارق.

و اليوم تعيد الحركة الإسلامية إنتاج العبقرية النازية نفسها على أرض السودان، تارة بشعارات الهوية الإسلامية الحصرية وتارة بتحريض القبائل بعضها على بعض، وتارة ببث و هم أن دماء أبناء كردفان ودارفور أقل قيمة، وأن أراضيهم مستباحة للسكن المؤقت فقط ، ثم فجأة تصبح أراضي الشمال خطاً أحمر لا يُسمح حتى للنازحين باللمس ، ما اقوله ليس دفاعاً عن حقوق النازحين فقط،بل دفاع عن مستقبل السودان نفسه ودلقو ليست استثناء، بل نموذج ،اذ لا أظن أن أهالي دلقو – بأغلبيتهم العظمى – أشرار أو عنصريون لكنهم ضحايا خطاب كراهية يتدفق عبر قنوات اجتماعية و مدارس ومنابر دينية مختطفة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لقد صُب في آذانهم أن “آخر” الشمال هو ابن الوطن العميق، وأن أي قادم من الجنوب أو الغرب هو مجرد ضيف مؤقت لا حق له في المطالبة بالخبز أو الدواء أو المدرسة لولده،لكن العجلة تدور، اليوم يرفضون إيواء نازح من دارفور وغداً سيرفضون أي سوداني لا يحمل شهادة النسب الشمالي النوبي و بعد غد سيقاتلون بعضهم على مكاييل المياه.

هذا هو المنطق ، لان العنصرية تبدأ بطرد الغريب وتنتهي بأكل الأخضر واليابس و كاني اري رواندا تنتظر في زاوية الغرفة، عندما العالم تساءل: كيف سمح الهوتو لأنفسهم بذبح التوتسي بالمناجل؟ كيف سلم الجيران جيرانهم؟ الإجابة كانت بسيطة: بدأ الأمر بكلمات، كلمات كراهية بثها سياسيون وإعلاميون و رجال دين، وصارت جزءاً من الوعي الجمعي. ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها الآخر إنساناً.

و السودان اليوم على أعتاب مرحلة لا تقل خطورة فالحرب في دارفور وكردفان لم تكن عفوية، بل خططت لها عقول مؤمنة بأن العرق الأصيل هو من يمسك بزمام الأمور، وأن البقية مجرد توابع أو حمولة إضافية،و إذا استمر هذا التسميم، فما حدث في الفاشر ونيالا والجنينة سيتكرر في دلقو و مروي ودنقلا، ولكن بصيغة مقلوبة، وقتها للاسف

لن يربح أحد و سنخسر الوطن جميعاً

لكن الحل الناجع يكمن في استئصال الورم قبل فوات الأوان و ما لم يُعزل تنظيم الحركة الإسلامية فكرياً و سياسياً ومجتمعياً، فسيبقى سم العنصرية يتدفق في شرايين السودان، هذا ليس انتقاماً، بل وقاية،لانك عندما تسمح لأفعى أن تعشش في حديقتك،عليك ان لا تلوم الأطفال إن لدغوا.

وهذه رسالتي إلى أهالي دلقو والشمال عموما: يا إخواني في دلقو، في المحس، في كل الشمالية ان النازح الذي تقفون ضده اليوم هو ضحية نفس الحرب التي تخشون أن تصل إليكم و سلاح الكراهية الذي هدم بيته هو نفسه سيحرق حقولكم غداً إذا تركتموه،فالحركة الإسلامية تريدكم جيوشاً في حربها العبثية على الآخر، لكن الثمن سيدفعه أبناؤكم وأحفادكم.

افتحوا قلوبكم قبل بيوتكم لاهلكم من ضحايا الحرب، لا تسمحوا للكيزان بأن يحولوهم إلى عدو. قاوموا الخطاب العنصري في مساجدكم و مجالسكم، وكونوا سداً منيعاً أمام هذا المد الأسود.

وإلى كل السودانيين:

كل يوم نتأخر فيه عن عزل هذه العقلية التكفيرية العنصرية، نقترب خطوة من الهاوية،اذ لم يعد هناك منطقة آمنة و ما يحدث في دارفور سيصل إلى الخرطوم، وما يحدث في الخرطوم سيصل إلى بورتسودان و الشمالية، فالعنصرية مثل النار، لا تفرق بين حطب وأخر.

إما أن نتحرك الآن – مجتمعاً مدنياً، أحزاباً، قبائل عاقلة، جيشاً وطنياً شريفاً – لنقول بصوت واحد: كفى تسميماً لعقول البسطاء، كفى تحريضاً، كفى عنصرية وإما أن نستعد لدفن السودان الذي عرفناه، ونكتب على شاهد قبره: مات لأن ابناءه آثروا الانقسام على الوحدة، والكراهية على الرحمة.

اختر الآن. فغداً قد يكون متأخراً جداً.

فليكن السودان للجميع، أو لا أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!