رأي

الانتصار السياسي وسقوط سقف الحرب الأخلاقي

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في الحروب التي تُرفع فيها شعارات “الحرب الوجودية”، يتم توسيع مفهوم العنف ليشمل كل شيء تقريباً، ويتم إعادة تعريف الخصوم والضحايا والشرعية نفسها. لكن رغم هذا التوسع، يظل الحق الأخلاقي والقانوني للضحايا ثابتاً لا يسقط، لأن القانون الدولي الإنساني لم يُبنَ على مزاج المنتصر، بل على حماية الإنسان في لحظة انهيار الدولة.

غير أن الواقع يكشف أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت منظومة كاملة لإدارة القوة، تشمل الميدان، والاقتصاد، والرواية. فالنهب والسرقة لم يعودا مجرد تجاوزات فردية، بل جزء من اقتصاد حرب يعيد توزيع الموارد والقوة داخل مجتمع منهك، ويُنتج فراغاً سياسياً فعلياً، لأن ترك الحقيقة بلا كشف يسمح بإعادة إنتاج الروايات بدل تفكيكها، ويحوّل الانتهاكات إلى أدوات في معركة الخطاب لا العدالة.

في هذا السياق، يصبح غياب التحقيق قراراً سياسياً فعلياً، لأن ترك الحقيقة بلا كشف يسمح بإعادة إنتاج الروايات بدل تفكيكها، ويحوّل الانتهاكات إلى أدوات في معركة الخطاب لا العدالة.

ومن داخل هذا المشهد، تأتي مسألة “تحييد” أفراد داخل مسرح العمليات، مثل حالة النور القُبّة. هذا المفهوم لا يمكن عزله عن سؤال أكبر: هل نحن أمام مجرد تحولات ميدانية في ميزان القوة، أم أمام إعادة هندسة شاملة لمن يملك الأرض، ومن يسيطر على مواردها، ومن يحدد اتجاه الحرب نفسه؟

ففي النهاية، لا يُقاس ميزان الحرب فقط بالسلاح، بل أيضاً بالقدرة على السيطرة على المجالين معاً: الأرض وما تنتجه من موارد، والأوراق النقدية التي تعيد توزيع النفوذ داخل الواقع، فتتحول القوة من مجرد تفوق عسكري إلى منظومة نفوذ متكاملة.

وبالتوازي مع ذلك، يتم بناء صورة الأطراف عبر اللغة. فالتسميات التي طالت قوات الدعم السريع، بما فيها التسميات ذات الطابع العرقي أو الاجتماعي، لا تُستخدم كوصف محايد، بل كأداة في إدارة الصراع الرمزي، تُشدّد في لحظة لإعادة تعريف الخصم وتجريده من شرعيته، ثم تُخفف أو يُعاد تدويرها حين تتغير خرائط المصالح، ويُفتح المجال لضمّ من كان في الضفة الأخرى إلى خطاب “الوطن” نفسه، دون أن تتغير بنية الخطاب أو منطقه الداخلي.

وهنا تتكشف آلية أكثر عمقاً في إدارة الحرب:

ليست المسألة مجرد خصومة عسكرية، بل إدارة كاملة لحدود “الشرعية الأخلاقية”، حيث يُعاد رسم خط الفصل بين من يُوصَف بالخيانة ومن يُستعاد بوصفه جزءاً من الكيان، وفق الحاجة السياسية لا وفق معيار ثابت.

وهذا النمط في إدارة الحرب يكشف أن تجاوز السقف الأخلاقي لا يحدث كاستثناء، بل كأداة تشغيل داخل معركة البقاء: حيث يمكن استخدام أقصى درجات التشويه، والاتهام، وإعادة التصنيف الأخلاقي والاجتماعي للخصم، ثم فتح الباب ذاته لمن ينشق أو ينفصل عنه في لحظة لاحقة، باعتباره “استعادة” لا تناقضها حملات الأمس.

وهكذا لا يعود السؤال عن الحرب سؤالاً عسكرياً فقط، بل سؤالاً عن من يملك حق توزيع الأوصاف: من هو المنهوب، ومن هو الناهب، من هو الغريب، ومن هو العائد إلى الوطن، وكيف تتحول هذه التصنيفات من حقائق مزعومة إلى أدوات لإدارة الوعي العام.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي أكثر حدة: إذا كانت الحرب بلا سقف أخلاقي فعلياً كما يُقال في الخطاب السياسي، فمن الذي قام بتشكيل وتشويه صورة الدعم السريع في الجزيرة والخرطوم بهذه الكثافة، ولماذا تتكرس روايات محددة وتُدفن أخرى في لحظات الانفجار الإعلامي؟

والأكثر مباشرة: لماذا يُقابل مطلب فتح تحقيق مهني شفاف، يكشف كل الغموض المحيط بممارسات هذه الحرب، برفض أو تعقيد، رغم أن أي مسار نحو العدالة يبدأ من كشف الحقيقة لا من إعادة إنتاجها؟

وفي هذا السياق، يصبح السؤال عن “التحييد” أيضاً سؤالاً عن معنى النصر نفسه: هل هو مجرد إسقاط أفراد في الميدان؟ أم أنه امتلاك كامل لأدوات القوة: الأرض، المال، والسرد؟

فالحرب، في جوهرها، ليست فقط صراعاً عسكرياً، بل صراع على تعريف الحقيقة نفسها. وكما قال كلاوزفيتز: “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، فإن ما يجري اليوم هو استمرار للسياسة، والاقتصاد، واللغة معاً داخل ساحة واحدة.

وفي النهاية، فإن السقف الأخلاقي للحرب قد يُكسر في الواقع، لكنه لا يُلغى كمرجعية. لأن إلغاؤه لا يعني الانتصار، بل يعني تحويل الحرب إلى مساحة مفتوحة بلا محاسبة، حيث تصبح القوة وحدها هي القانون، وتتحول العدالة إلى رواية قابلة للتبديل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!