رأي

السودان والهيمنة المصرية : الصيحة الاخيرة قبل الابتلاع  الفصل السادس .. خلاصة 

دكتور النور حمد

 

المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد 

     إن المرء ليعجب، أي إعمارٍ تسعى مصر لتنفيذه في بلدٍ لا تزال تعمل فيه عشرات المليشيات، التي لكل واحدةٍ منها أجندتها الخاصة وجيشها الخاص وبنيتها التنظيمية والسياسية الخاصة، بل وعلاقاتها الخارجية؟ فأين هو الاستقرار الأمني الذي يجعل العمل في إعادة الإعمار ممكنًا. إن العجلة واللهفة المصرية المريبة والاندفاع لجعل النظام المصري صاحب الحق الحصري في إعادة إعمار السودان، قبل أن تجري معالجة الأسباب التي قادت إلى هذه الحرب البشعة وهذا والخراب الفظيع، ليس سوى وضعٍ للعربة أمام الحصان. فأصوات المدافع لم تسكت بعد، ولا يبدو أنا سوف تسكت قريبًا. فطبول الحرب لا تزال تُقرعٌ والتجييش لا يزال مستمرًا، والمليشيات لا تزال تُولد كل صبحٍ جديد. الأولوية هي لوقف الحرب وتثبيت السلام، وبعد ذلك تأتي إعادة الإعمار التي ينبغي أن تُدار بصورة شفافة بواسطة حكومة شرعية، لا بواسطة أوليغارك من اللصوص الفاسدين من سارقي قوت الشعب، الذين ما عرف الشعب السوداني منهم شيئًا سوى سرقة المال العام والفساد المؤسسي نادر الشبيه وإهدار فرص التنمية، وحبس البلاد في حالةٍ من العجز والتخلُّف، والقتل الذريع للمواطنين وتشريدهم على مدى أكثر من ثلاثة عقودٍ من الزمان.

الثلاثي المتربِّص ببعضه

مما يؤكد عدم الاستقرار في السودان في هذه اللحظة هذه العلاقة الملتبسة القائمة الآن بين الثلاثي الذي يتكون من الفريق البرهان، والإخوان المسلمين، والمخابرات المصرية. هذا الثلاثي تتطابق أهدافة في هذا المنعطف الحرج تطابقًا شبه كامل، وكذلك أساليبه في تحقيق تلك الأهداف. فأسلوب العمل السياسي لدى ثلاثتهم يعتمد على التكتيك وإدارة الصراع بطريقةٍ تفضي إلى نتائجٍ سريعةٍ، مع مجافاةٍ شبه كاملةٍ لأسلوب التفكير الاستراتيجي الذي يحقق نتائج مستدامة. فأسلوب التفكير التكتيكي غالبًا ما يحقق النتائج وفق لعبةٍ ما، على حساب جهةٍ ما، أو قطاعٍ ما، أو مجموعةٍ ما، من الناس. ولذلك لا يلبث أولئك الذين جرى تحقيق النتائج على حسابهم أن يثوروا على ما جري، فيقومون، طال الزمن أم قصر، بإرباك المشهد، من جديد. بل، وقد يطيحون بكل ما حققه نهج التكتيك قصير النظر.

هذا الثلاثي المكون من الفريق البرهان والنظام المصري وتنظيم الإخوان المسلمين السوداني، يُظهر كل طرفٍ منه للآخر خلاف ما يبطن. فكل واحدٍ منهم يخطط لاستخدام الطرفين الآخرين ليقطع بهما المرحلة الأولى من خطته التي يرى أن قطعها لا يمكن يتحقق بدون الشريكين الآخرين. فمصر على اتصالٍ بمدير المخابرات السودانية السابق صلاح قوش، المقيم لديها منذ عزل الرئيس البشير. والفريق البرهان على اتصال بصلاح قوش وبغيره من الإسلاميين الذين يعيشون تحت حمايته في السودان، وغيرهم ممن يعيش في قطر وتركيا ومصر. وبعض الذين يعيشون في السودان تحت رعاية وحماية الفريق البرهان مطلوبون لمحكمة الجنايات الدولية. كما أن بعضًا آخرَ منهم محكومٌ عليه داخليًا في قضايا نظرها القضاء السوداني وقد أُدينوا فيها. ولكلٍّ من صلاح قوش والفريق البرهان صلته الخاصة بالنظام المصري. ويجد النظام المصري أو قل المخابرات المصرية للفريق البرهان العذر في اصطحاب تنظيم الإخوان المسلمين معه في المرحلة الأولى، لأن في وسع تنظيم الإخوان المسلمين الإطاحة به في هذه المرحلة المتسمة بالهشاشة. فلا بد للفريق البرهان من تثبيت أقدامه في السلطة بالقدر المطلوب الذي يريده النظام المصري. فالفريق البرهان في هذه المرحلة هو مرتكز الخطة المصرية لوضع السودان تحت الإدارة المصرية. وبالفعل، ظل الرجل ينفذ خطط النظام المصري منذ المذبحة التي قام بها لفض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في 3 يونيو 2019، وجرى تنفيذها بتوجيهٍ مصري لتكون على غرار فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة. وهو لا يزال ينفذ حرفيًا كل ما يشير به إليه النظام المصري، في خطته الممتدة الهادفة لقتل الثورة في السودان ومنع التحول الديمقراطي. وهذا هدفٌ يتشاركه هذا الثلاثي المكون من: النظام المصري، والفريق البرهان، وفصائل تنظيم الإخوان المسلمين في السودان.

تعرف مصر أن الفريق البرهان تربَّي في حضن الإخوان المسلمين في السودان، لكنها تعرف أيضًا أنه ليس من المؤمنين الحقيقيين بأفكار الإخوان المسلمين، وإنما هو شخصٌ نهازٌ للفرص، مصابٌ بهوس الترؤس و”بريستيدج” الرئاسة وألقها، وأن يحكم السودان انفراديًا مدى الحياة، مهما كلف ذلك البلاد والعباد من كوارث ونكبات. وقد أيقن النظام المصري من هذه الزاوية أنه القائد العسكري الأنسب لتنفيذ خططه في السودان، الذي طالما حلمت الأنظمة المصرية بإعادة إلحاقه بمصر. ولربما رأى النظام المصري أن نزعة الفريق البرهان للانفراد بالسلطة سوف ستدفع به، في لحظةٍ بعينها، إلى التخلُّص من شراكته مع تنظيم الإخوان المسلمين. لكن الذي جرى على مدى عامين كاملين من الحرب، أكدَّ للنظام المصري أن الإخوان المسلمين هم من يتحكمون في الفريق البرهان، وليس العكس. وقد ظهرت علامات الإحباط المصري تجاه الفريق البرهان هذا في بعضٍ من ما تدلي به، باستمرار، الدكتورة أماني الطويل، خبيرة في الشؤون السودانية ومديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة للقنوات الفضائية.

أما الإخوان المسلمون فقد سبق أن ذكرنا ما تفلَّتت به ألسنتهم، في هجاء البرهان، وهم لا يزالون يهجونه حتى اليوم. فالإخوان المسلمون، من جانبهم، ينظرون إلى الفريق البرهان كقائدٍ للجيش مهووس هوسًا مَرَضِيًّا بالسلطة، وهذه صفةٌ تجعل منه خطرًا عليهم. لذلك صانعوه حتى يقووا على مواجهته حين تأتي اللحظة التي يظهر لهم فيها أن في طريقه إلى يقلب لهم فيها ظهر المجن. فهم قد قبلوا به في المرحلة من أجل استخدامه في مسعاهم لاستعادة سلطتهم. وحين تعود إليهم أو حين يصل خطره عليهم درجة معينة سيقومون بالتخلص منه، بطريقةٍ ما. فهم ما حرصوا على أن يزجُّوا بكتائبهم في المعارك الجارية لإسناد الجيش في معركته ضد قوات الدعم السريع، رغم وصية نائب الرئيس البشير السابق علي عثمان لهم بـ “ادِّخار القوة”، إلا ليظهروا له أنهم أقوياء. فهم من أخرجوا الجيش من دائرة سلسلة الهزائم التي أحاقت به على مدة قرابة العام والنصف. وقد كانوا ذراعًا للاستخبارات العسكرية في عمليات الاستنفار وتسليح القبائل. لقد خرجت كتائب تنظيم الإخوان المسلمين على وصية نائب البشير علي عثمان بإدخار القوة بسبب ما أظهره الجيش من ضعف وبسبب أن الكفة قد رجحت في صالح قوات الدعم السريع. أيضًا وجد تنظيم الإخوان المسلمين فرصةً ذهبيةً في هذه الحرب لكي يكسب مقاتلوه المزيد من المراس والخبرات القتالية وأن يحصلوا على أسلحة أكثر حداثة وقدرة. كما أن ظهورهم بقوة، يصبح إجراءً استباقيًّا، من شأنه أن يُضعف ويخذِّل أي نيةٍ لدى البرهان في التخلص منهم، لما يرى لديهم من بأسٍ، وقوةٍ عسكرية، بل، وقوة سياسية وإعلامية. إلى جانب كل ما تقدم فإن فوضى الحرب قد أتاحت لهم فرصة اغتيال خصومهم من قوى الثورة، خاصة ما تُسمى “لجان المقاومة” ومختلف الناشطين الذين أشعلوا الثورة. وبالفعل لقد جرت في الفترة التي تلت انسحاب قوات الدعم السريع من الجزيرة ومن الخرطوم الكثير من تصفيات الأفراد بأساليب بالغة البشاعة. وقد كان بث الرعب جزءًا من أساليب قتل الثورة وتخذيل الثوار.

لقد تعلم تنظيم الإخوان المسلمين الكثير من تجربته المريرة مع الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي أطاح الدكتور حسن الترابي، عراب التجربة الذي لولاه لما وصلوا إلى السلطة أصلًا. فقد أضعف الرئيس البشير التنظيم ولعب بقياداته؛ تقريبًا وإبعادًا، حتى أصبحوا ألعوبةً بين يديه، بل وأضحوكة. وانتهى به الأمر إلى أن يحكم البلاد من خلال بطانةٍ خاصةٍ فاسدةٍ مقربة. وقد أصبح الرئيس عمر البشير في سنواته الأخيرة عبئًا ثقيلاً على مجمل التجربة، حتى اضطروا إلى نصحه ومحاولة إقناعة بالتنحي. لكنهم عجزوا. وحين قامت ثورة ديسمبر 2018 الشعبية استغلوا زخمها ووقفوا مع إزاحته وتنفس كثيرون منهم الصعداء عقب إزاحته. هذه التجربة مع نزعة العسكر للانفراد بالسلطة حاضرة الآن في أذهان قيادات الإخوان المسلمين. لذلك فهم يراقبون الفريق البرهان عن كثب. وقد ظلوا يشنون عليه عبر أبواقهم الإعلامية هجومًا كاسحًا كلما أحسوا بانه قد أخذ يحيد عن خطهم الرامي إلى سحق قوات الدعم السريع بصورة نهائية ليصبحوا هم القوة المعسكرة الأقوى. وقد تزايد أيضًا، في الآونة الأخيرة، الهجوم من قبل هذه الأبواق على ما تسمى “القوات المشتركة” المكونة من حركات دارفور المسلحة. فتنظيم الإخوان المسلمين يريد القضاء المبرم على قوات الدعم السريع، ولذلك فقد قّبِل، مرحليًا، بمشاركة حركات دارفور في المعركة ضدها. أما وقد انتقل ثقل قوات الدعم السريع إلى كردفان ودارفور وأصبحت قليلة العدد في مناطق الوسط والشمال فقد انتفت في نظر تنظيم الإخوان المسلمين دواعي وجود قوات حركات دارفور المسلحة في مناطق الوسط والشمال. ولذلك سلقتهم أبواق تنظيم الإخوان المسلمين بألسنة حداد. فهذه هي بداية الحملة الساعية إلى التخلص من هذه الشراكة واغتيال شخصيات قادتها ودق إسفين بينهم وبين حاضناتهم الشعبية. وما حملات القتل والتهجير القسري التي طالت مواطني دارفور الموجودين في الوسط والشمال النيلي، إلا صورة من صور التطهير العرقي التي قُصد منها أيضًا إخراج قادة حركات دارفور من أي معادلةٍ قادمة، ربما باستثناء جبريل إبراهيم صاحب الرباط العضوي ببعض فصائل تنظيم الإخوان المسلمين.

من الناحية الأخرى، في مشهد هذا الصراع المكتوم بين الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين، الذي ساعد البرهان في الوصول إلى قمة السلطة، نجد أن الفريق البرهان، بحكم تجربته الطويلة في فترة حكم البشير، يعرف خطر هذا التنظيم على خطته القاصدة إلى الانفراد بالسلطة. ويعرف أن كتائب الإخوان المسلمين قد شاركت بقوة في معارك ولاية الجزيرة وسنار والخرطوم وغيرها. فهي قد شدَّت من أزر القوات المسلحة، التي تلقت العديد من الهزائم على مدى عام ونصف العام خسرت فيها الكثير من دباباتها ومدرعاتها في معارك الخرطوم، وبقيت متخندقةً في مقراتها. فقد أظهرت الحرب أن القوات المسلحة لم تكن تملك عددًا كافيًا من المشاة وليس لها شيءٌ مؤثرٌ في المعارك سوى سلاح الطيران، محدود القدرات. كما يعرف الفريق البرهان أيضًا أن لمساندة كتائب الإخوان المسلمين ثمنًا هو عودة تنظيم الإخوان المسلمين إلى الحكم، مرةً أخرى، وفق صيغةٍ ما، رغم أنهم لم يغادروا مواقع الحكم أصلاً، حتى في فترة حمدوك. وقد لاحظنا جميعنا كيف في كل مرةٍ يتجرأ فيها الفريق البرهان مصرِّحًا بأن على تنظيم الإخوان المسلمين، ممثلاً في حزب المؤتمر الوطني، ألا يفكر في العودة إلى السلطة، يقوم التنظيم بهجمة إعلاميةٍ قويةٍ في مواجهته تضطره إلى التراجع وابتلاع ما صرح به. وقد أوردنا على ذلك الشواهد من قبل.

إزاء هذا الوضع، متعدد الأطراف، بالغ التعقيد، سعى الفريق البرهان إلى تكوين ميليشياتٍ قبليةٍ في الوسط والشمال النيلي ليحمي بها نفسه ضد تنظيم الإخوان المسلمين، مقتفيًا آثار قدمي سلفه الرئيس البشير الذي جعل من قوات الدعم السريع رادعًا ضد أي احتمالٍ لتحرك الجيش ضده. ويبدو أن مليشيا “درع البطانة” التي يقودها أبو عاقلة كيكل هي القوة التي يريد البرهان أن يجعل منها القوة الحامية له. وقد ظهرت مؤخرًا مليشيتان جديدتان هما: مليشيا “شجعان النيل الأبيض”، ومليشيا “حركة الرؤية الديمقراطية”. وغالبًا ما تكونان قد نشأتا بتدبيرٍ من الفريق البرهان، أو بمباركته. هذا إلى جانب العشرات من المليشيات الأخرى التي تتبع لمختلف مراكز القوى وعلى رأسها ميليشيا مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومالك عقار؛ شركاؤه في الحكم الجاري الآن. ويبدو من الهجوم الشديد الذي توجهه فصائل الإخوان المسلمين المختلفة على مني أركو مناوي، صاحب المليشيا الأقوى، وغيرها من مليشيات دارفور ومطالبتها بترك الشمال والوسط والذهاب لقتال قوات الدعم السريع في دارفور سببه أنهم يريدون إبعادها من أن تكون عضدًا للفريق البرهان في منطقة الوسط والشمال النيلي، كما سلف القول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!