
نجم الدين دريسة
التاريخ لا يُكتب بالوقائع وحدها، بل بمن يملك شجاعة كشفها
حين تنكشف المؤامرة، لا يعود الصمت خياراً… بل يصبح القول موقفاً
كان يوماً مغايراً في تاريخ السودان، لا يشبه ما قبله ولا يمكن أن يُقاس بما بعده. لم يكن الخامس عشر من أبريل مجرد ليلة غدر، بل كان لحظة انكشاف كبرى، لحظة سقطت فيها كل الأقنعة، وتعرّت فيها حقيقة التآمر التاريخي على الدولة السودانية. أقولها بوضوح كامل، وبمسؤوليتي الكاملة: ما جرى في ذلك اليوم لم يكن صدفة، ولم يكن صراعاً عابراً، بل كان امتداداً لمشروع قديم ظل يستهدف هذا البلد وشعوبه، خاصة في الهوامش والأصقاع والأرياف.
لقد كان 15 أبريل فاصلة حاسمة، ليس فقط في مسار الحرب، بل في مسار الوعي نفسه. هو بداية لنهاية الأكاذيب والسرديات المزيفة التي تم تسويقها لعقود، لتبرير ظلم تاريخي ممنهج مارسته قوى بعينها ضد شعوب السودان. في هذا اليوم، انكشف المستور، واتضح من يقف مع الشعب، ومن يقف ضده، ومن ظلّ يقتات على معاناة الناس ويعيد إنتاجها باسم الدولة.
نعم، أقولها كما هي: الخامس عشر من أبريل هو ليلة التآمر الكبرى. ليلة اجتمعت فيها قوى الردة، وعلى رأسها جيش البازنقر، هذا المسخ المشوه الذي ظلّ عبر تاريخه عرضة للاختراق والاختطاف، ومرتهناً لإرادة الدولة المصرية. هذا ليس اتهاماً عابراً، بل قراءة لتاريخ طويل من الارتهان، حيث تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية يُفترض أن تحمي الشعب، إلى أداة في يد مشاريع خارجية، لا ترى في السودان سوى ساحة نفوذ وحديقة خلفية.
هذا الجيش لم يولد بريئاً، بل تخلق قبل ميلاد دولة وكلاء الاستعمار الشوهاء نفسها، وحمل معه منذ البداية بذور التشوه. وعلى مدى عقود، مارس كل أشكال البطش والظلم والفساد والاستبداد، وسجل صفحات مظلمة من الانتهاكات بحق الشعوب، ونهب الموارد، والتآمر مع مصر الرسمية ضد مصالح مواطنيه. لم يكن جيشاً لكل السودان، بل كان جيشاً لنخبة محددة، تحكم وتقصي وتستأثر.
ثم لم يكتفِ بذلك، بل انتهى به الحال إلى أن يصبح جيشاً مؤدلجاً، يخدم أهداف تنظيم عقائدي فاسد، وتحول إلى جناح عسكري لجماعة الإخوان المسلمين السودانية الإرهابية. وهنا بلغت الأزمة ذروتها، حين تداخلت الدولة مع التنظيم، واختلطت الوطنية بالأيديولوجيا، وضاع السودان بينهما.
في المقابل، عندما انحازت قوات الدعم السريع إلى الثورة، ورفضت الانصياع لهذا التاريخ المثقل بالانتهاكات، أصبحت هدفاً مباشراً لهذه المؤامرة. الحرب التي اندلعت في 15 أبريل لم تكن حرباً عادية، بل كانت حرباً شنتها قوى البغي والظلم والردة، وعلى رأسها الجيش، ضد كل من قال “لا” لهذا الواقع. كانت محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والعودة إلى السلطة على حساب أشلاء ودماء وجماجم الشعوب السودانية.
إن ما حدث لم يكن يستهدف قوات الدعم السريع وحدها، بل كان يستهدف ثورة شعبية باذخة، استهدف كل الشعوب السودانية التواقة للاستقلال، الرافضة لدولة الأوليغارشية التي تتحكم فيها أجهزة خارجية، وعلى رأسها المخابرات المصرية. كان الهدف واضحاً: السيطرة على موارد السودان، وإخضاع أرضه، وكسر إرادة شعوبه، حتى يظل تابعاً لا سيداً.
بل أكثر من ذلك، كان المخطط – كما أؤكد – أن يتم القضاء على قوات الدعم السريع خلال أربع ساعات فقط، بمساندة من الطيران المصري، في عملية خاطفة تنهي كل شيء قبل أن يبدأ. لكنهم أخطأوا الحساب، وخاب فألهم. لم تسقط قوات الدعم السريع، بل صمدت، واستعادت زمام المبادرة، وكسرت هذا المخطط الذي كان يراد له أن يكون نهاية الحلم.
واليوم، ونحن في العام الرابع لهذه الحرب التي أشعلوها، لا يزالون في غيّهم سادرين، رغم كل ما جلبته هذه الحرب من مآسٍ. الموت، التشريد، التهجير القسري، اللجوء… كلها نتائج مباشرة لهذا المشروع التدميري. لم يترددوا في استهداف الأعيان المدنية، في قصف الأسواق، والمستشفيات، ومصادر المياه، وحتى المناسبات الاجتماعية. لم يفرقوا بين مدني ومقاتل، بل جعلوا من كل شيء هدفاً.
لقد شهدنا مجازر وحشية، وجرائم لا يمكن تبريرها، وعمليات قتل على أساس الهوية، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي وصل إليها هذا الكيان الذي يُفترض أنه جيش وطني. هذه ليست حرباً تقليدية، بل حرب ضد المجتمع، ضد الحياة نفسها.
ورغم كل ذلك، لم تنكسر الإرادة. في هذا اليوم، نحيي السيد قائد مشروع التغيير، قائد المهمشين والواقفين على الرصيف، القائد الملهم، قائد قوات الدعم السريع، ونحيي كل الأشاوس الذين وقفوا بثبات في وجه هذه المؤامرة. نترحم على شهدائنا الأبرار الذين واجهوا الموت بجسارة وبسالة وصمود، ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى والمصابين، ونحيي أمهات وآباء الشهداء وأسرهم، الذين دفعوا أثماناً باهظة في هذه المعركة.
نحن ماضون في طريق الخلاص، مهما كانت الصعاب والتحديات. قابضون على جمر القضية، لا نتراجع ولا نساوم. سنظل نحفر على هذا الجدار، إما أن نفتح ثغرة للضوء، أو نموت عليه واقفين.
هذه كلمتي، وهذا موقفي، وهذه شهادتي أمام التاريخ. الخامس عشر من أبريل ليس مجرد ذكرى، بل هو معركة مستمرة، ومعنى مفتوح، وطريق لن نتخلى عنه.




