وأخيرًا “تأسيس” جاءت بمعجزة المصالحة مع الذات لصهر “الغابة والصحراء” في بوتقة واحدة
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
لئن كان التاريخ السُّوداني قد حُبس طويلًا في قفص الثنائيات الضيقة، وتاهت ملامحه بين مطرقة الانتماء العروبي وسندان الجذور الأفريقية، ولذا فإن اللحظة الراهنة من تاريخ البلاد لم تعد تحتمل صراع الهويات العرقية والثقافية أو الوقوف على أطلال الأيديولوجيات الآحادية التي أورثتنا الشتات، فإننا اليوم نقف أمام “تأسيس” تلك الإجابة الواقعية والجريئة التي انبثقت من رحم المعاناة لتضع حدًا مفصليًا للمنازعة التاريخية بين مدرسة “الغابة” برموزها الثائرة وجمالياتها الفطرية، مع مدرسة “الصحراء” بسماتها الفلسفية وعمقها الوجداني، وبمثل ما كان التنوع الثري والتعدد الفريد يعم أرضنا ليمنحها الحياة دون تفريق، تأتي هذه الرؤية لتكون المصب الذي تنصهر فيه كل الروافد، محطمةً جدران العزلة التي بناها الساسة، ومُعيدةً صياغة الإنسان السوداني ككتلة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين جراء الممارسات التي كانت سائدة إبّان عقود التنافر والتناحر، وكما هو معلوم فقد ظلت النخب السياسية تقتات على إذكاء نيران الفوارق بين السودانيون، بيد أن “تأسيس” جاءت لتقول إن الغابة ليست عدوًا للصحراء، وإنما هي ظلها الممتد وروحها المكملة، لعل الحكمة القديمة التي تقول “العود محميٌّ بحزمته” وبذلك لم تجد تجليًا أصدق مما نراه اليوم في هذا المشروع، فبما أن الجغرافيا قد حكمت علينا بالتعايش، فإن التاريخ قد اصطفانا للاندماج، حقاً إن هذا الانصهار ليس مجرد ترفٍ ثقافي، وانما هو ضرورة وجودية، إذ كيف للصحراء أن تكتسي بالجمال دون خضرة الغابة، وكيف للغابة تتنفس دون أن تتحرك تجاهها رمال الصحراء …؟
ومما لا ريب فيه أن قراءة الواقع بعين “تأسيس” تكشف لنا كيف أننا أهدرنا وقتًا طويلًا في البحث عن هوية في الخارج، بينما كانت الهوية تحتشد في دواخلنا، تنتظر فقط من يزيح عنها غبار التناحر، وصدقًا إن السُّودان الذي نحلم به ما لبث أن بدأ يتشكل ريثما نضجت فكرة القبول بالآخر كجزء أصيل من الذات، خلافًا لما كان يروج له دعاة الإقصاء الذين ظنوا أن الوطن يمكن أن يطير بجناح واحد، وكما
يُحتمل أن يتساءل البعض عن سر توقيت هذا الانبثاق، إلا أن الإجابة تكمن في جوهر التجربة السودانية المريرة، فلقد جربنا الانقسام فما حصدنا إلا الهشيم، كما لو أننا كنا نسير في نفق مظلم طال أمده، ولكن “تأسيس” قد أضاءت المشاعل، مؤكدة أن القوة تكمن في هذا المزيج الفريد، حيث تنصهر القيم والنبل البدوي مع الروح الجماعية والبسالة الغابوية في بوتقة وطنية خالصة بمثل ما تتمازج الألوان في لوحة فنان بارع لتشكل مشهدًا يسلب الألباب، هكذا تتجلى مدرسة الانصهار الجديدة، محولةً التنوع من عبء تاريخي إلى ذخر استراتيجي، إنها دعوة للعودة إلى الذات، وتصالح مع الملامح التي تشبهنا، بعيدًا عن الاستلاب الذي أرهق كاهل الدولة السُّودانية منذ فجر الاستقلال.
زبدة القول، إن “تأسيس” ليست كيان سياسي عسكري فقط، وانما هي هبة السماء وصرخة الوعي التي طال انتظارها، جاءت بقوة وهيبة ضمن محاولة جادة لاستعادة توازن الشخصية السُّودانية التي شوهتها الصراعات، ولعلنا ندرك الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن مصيرنا واحد وأن خيارنا الوحيد هو المضي قدمًا في طريق الاندماج الكامل، ولئن كان الماضي قد كُتب بمداد الدموع والفرقة، فإن المستقبل سوف يُكتب اليوم بمداد “الوحدة الوجدانية” الذي يجمع بين صلابة الصحراء وحيوية الغابة، إنها لحظة الحقيقة التي يواجه فيها السودانيون مرآة أنفسهم، ليروا وطنًا شامخًا يتسع للجميع، وطنًا لا يرى في الاختلاف ثغرة، وانما يراه مصدر قوة وجمال، وكما يُقال في الأمثال السودانية “البيابى الصلح ندمان” وها نحن اليوم نختار التصالح مع الذات، ونختار “تأسيس” كبوصلة وحيدة نحو السودان الذي يستحقنا ونستحقه.



