
عبد الله ابو علا
حين تُخدع القلوب… كيف تُهزم العدالة باسم العاطفة؟
في زمن تتشابك فيه القضايا وتختلط فيه المواقف، يجد الإنسان نفسه أمام مفترق طرق دقيق: هل ينحاز بعاطفته أم يحتكم إلى ميزان العدالة؟ هذه الإشكالية تبرز بوضوح حين تتعلق بالصراعات، خاصة تلك التي تُغلف بلباس ديني، حيث ينزلق كثيرون إلى مواقف مبنية على الانتماء لا على الحق.
فعند اندلاع نزاع بين طرفين، أحدهما ينتمي إلى ذات الدين والآخر لا، يتجه البعض تلقائيًا إلى نصرة “القريب عقيدة”، دون النظر في طبيعة الموقف أو عدالته. ويستند هذا التوجه إلى نصوص دينية تُفهم أحيانًا بشكل مجتزأ، فتُستخدم لتبرير الانحياز، بينما يغيب المقصد الأسمى للدين: إقامة العدل.
لقد جاء التوجيه الإلهي واضحًا لا لبس فيه، حين قال سبحانه: “اعدلوا هو أقرب للتقوى”، وقال أيضًا: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”. هذه النصوص لا تفرق بين الناس على أساس الدين أو القرابة، بل تجعل العدل قيمة مطلقة، تُطبّق في كل زمان ومكان، ومع كل إنسان.
ويؤكد الحديث الشريف هذا المعنى العميق، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”. فحين سُئل عن نصرة الظالم، بيّن أن نصرتَه تكون بمنعه من الظلم، لا بمساندته فيه. وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين العاطفة المنفلتة، والعدالة الواعية التي تضبطها القيم.
الإشكال الحقيقي اليوم أن كثيرين يخلطون بين الانتماء والحق، فيتحول الدين من منظومة قيمية عادلة إلى مجرد شعارات تُرفع، أو مواقف تُتخذ دون وعي. وهذا الخلط لا يضر فقط بالمجتمعات، بل يُسيء إلى صورة الدين نفسه، الذي جاء ليكون رحمة للعالمين، لا أداة للانقسام أو التحيز.
إن الدين في جوهره ليس عاطفة عمياء، بل هو ميزان دقيق يقوم على العدل، والرحمة، والإنصاف، واحترام كرامة الإنسان. ومن دون هذا الفهم، يصبح من السهل الانجرار خلف خطاب يُغذي المشاعر، لكنه يفرغ القيم من مضمونها الحقيقي.
لذلك، فإن استعادة الوعي بهذه المعاني ضرورة ملحّة، حتى لا تتحول العاطفة إلى حجاب يحجب الحق، وحتى يبقى ميزان العدالة قائمًا لا يميل. فالإنصاف ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جوهر الإيمان، وبه تُبنى المجتمعات السليمة.
نسأل الله أن يفتح بصائرنا، وأن يجعلنا من أهل العدل والحق، وأن يرزقنا وعيًا يليق بعظمة الرسالة التي نحملها.




