

صالح السليمي
في بلادٍ مثل السودان، حيث تتجاور الثقافات كما تتجاور الأنهار، لا يكون المسرح ترفًا ولا الدراما زينةً هامشية، بل ضرورة وجودية لفهم الذات وإعادة تعريفها. منذ أن قال وليام شكسبير إن “العالم مسرح”، أدركنا أن الحياة نفسها عرضٌ مستمر، تتصارع فيه الأدوار وتتشابك المصائر. وحين جاء برتولت بريشت ليؤكد أن المسرح “مطرقة لتشكيل الواقع”، اتضح أن الفن ليس انعكاسًا بريئًا، بل فعل مقاومة وتغيير. أما أرسطو، فقد حسم المعنى حين جعل الدراما وسيلة لتطهير النفس من أوجاعها. في هذا السياق المركب، يبرز مختار بخيت “الدعيتر” لا كفنان عابر، بل كصوتٍ شعبيٍ عميق، التقط روح السودان في أكثر لحظاته تناقضًا، وحوّلها إلى مشهدٍ حيٍّ يضحك ويبكي في آنٍ واحد.
أما الابتسامة، فقد كانت مشروعه الأكبر. لم يكن الدعيتر مجرد ممثل يعتلي الخشبة، بل كان خشبةً تمشي على قدمين. حيثما حلّ، انفرجت الوجوه، وكأنما كان يحمل في داخله وعدًا خفيًا بأن الحياة، رغم قسوتها، تستحق أن تُعاش. كان يشتغل على الضحك لا بوصفه ترفًا، بل كفعل مقاومة ضد قبحٍ منظم، وضد توترٍ صُنع بعناية لاستنزاف الإنسان. في عمله الشهير “حليمة أم بوز وزوجها ود العريّض”، لم تكن البساطة ضعفًا، بل كانت سلاحًا فنيًا نافذًا؛ إذ نجح في تجسيد ما يمكن تسميته بكوميديا الصراع: ذلك التوتر الحيوي بين الرجل والمرأة، بين الرغبة والاختلاف، بين الانسجام والانفجار. كان يقول، دون أن ينطق، إن العراك ليس نهاية العالم، وإن الاختلاف جزء من هندسة الحياة، فالله لم يخلق الناس على نسقٍ واحد. هكذا ظل الدعيتر يسبح عكس تيار القبح، منحازًا كليًا للبسطاء، باحثًا عن الجمال في أكثر الأماكن تواضعًا.
أما الدمعتان، فلكل واحدة منهما حكاية موجعة.
الدمعة الأولى هي دمعة شعبٍ فقد مرآته. لم يكن مختار بخيت مجرد فنان، بل كان ذاكرةً تمشي بين الناس، وثقافةً موسوعية تنبض بالحياة. استطاع أن ينتزع الدراما السودانية من براثن الاستلاب، ذلك الاستلاب الذي جعل الثقافة المحلية ظلًا باهتًا لغيرها، خاصة تحت هيمنة نماذج مستوردة لا تشبه وجدان الناس. في عمله الأشهر “الدعيتر”، بلغ الذروة؛ إذ عرّى التناقضات العميقة بين الهامش والمركز، وكشف الصراع الصامت بينهما، لا بخطابٍ مباشر، بل بلغة الفن الذكي. أعاد الاعتبار للأزياء، للهجات، للحكايات الصغيرة التي تشكل روح السودان الحقيقي. لم يكن مشروعه مجرد تمثيل، بل محاولة جادة لردم الهوة بين سودانين: سودان يُرى وسودان مُهمَّش.
أما الدمعة الثانية، فهي دمعة الوسط الفني، الذي فقد قامةً لم تتكرر. برحيله، خسرنا فنانًا رأينا فيه لأول مرة صورة السودان المتعدد، لا كفكرة نظرية، بل كحياة نابضة على المسرح. رحل الدعيتر، وبقي الحزن يقطر في صدور الناس، كأنما الوطن نفسه يشيّع جزءًا من روحه.
أما الرصاص المتناثر في الأرجاء، فهو الفصل الأكثر قسوة في هذه الحكاية. إنها شظايا الحرب التي لم تترك مكانًا إلا ومرّت به، ولا إنسانًا إلا وأصابته بشكلٍ ما. في زمنٍ هاجر فيه كثيرون خوفًا أو بحثًا عن النجاة، اختار الدعيتر أن يبقى، كملح الأرض، متشبثًا بوطنه حتى في ذروة الانكسار. شوهد في أحد الوثائقيات خلال معارك الجزيرة، واقفًا وسط الركام، يدعو إلى وقف النزيف، إلى إيقاف هذا العبث الدموي الذي يلتهم الإنسان والمكان. لم يكن صوته حينها مجرد نداء، بل صرخة ضمير. وحين طال أمد الحرب، ولم تستجب البنادق لصوت العقل، رحل الدعيتر، كأنما قرر أن يحتج بروحه حين عجزت الكلمات. كان خروجه الأخير بيانًا صامتًا ضد وطنٍ يُستنزف بلا رحمة.
أنا لله وإنا إليه راجعون.
رحل مختار بخيت، لكن أثره باقٍ، لا في الذاكرة فحسب، بل في وجوهٍ تعلمت أن تبتسم رغم الألم، وفي دراما سودانية استعادت شيئًا من كرامتها، وفي وطنٍ ما زال يبحث عن نفسه بين ابتسامةٍ مكسورة، ودمعةٍ ساخنة، ورصاصٍ لم يتوقف بعد.




