رأي

بعد خدعة الحرب ،لماذا أصبح تصحيح الموقف من الحرب ضرورة وطنية؟

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

لم يعد النقاش في السودان يدور حول توصيف الحرب بقدر ما أصبح متعلقاً بكيفية الخروج منها سياسياً وأخلاقياً. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، استقرت قناعة واسعة بأن الواقع الذي أنتجته الحرب لا يشبه الأهداف التي رُفعت في بدايتها، وأن المسافة بين الشعارات الأولى والنتائج القائمة أصبحت أكبر من أن تُفسَّر باعتبارها مجرد تعقيدات ميدانية.

منذ اللحظة الأولى، جرى تقديم الحرب باعتبارها معركة لاسترداد الحقوق وإعادة الاعتبار للمجتمع الذي تعرض لانتهاكات قاسية. هذه السردية لم تكن هامشية؛ بل شكّلت الأساس النفسي والسياسي الذي دفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى دعم استمرار القتال أو تفهّمه. ولذلك فإن كثيراً ممن اصطفوا خلف خطاب الحرب لم يفعلوا ذلك بدافع أيديولوجي، وإنما انطلاقاً من رغبة مفهومة في العدالة والإنصاف.

غير أن التجربة الممتدة للحرب أعادت ترتيب الأولويات داخل الوعي العام. فالإنسان الذي دخل الحرب وهو ينتظر استعادة حقه، وجد نفسه مع مرور الوقت يبحث عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار. لم يعد السؤال: متى ننتصر؟ بل أصبح: متى تنتهي هذه المعاناة؟، وهو تحول يعكس نضجاً مجتمعياً أكثر مما يعكس تراجعاً سياسياً.

هنا تحديداً تظهر أهمية اللحظة الراهنة؛ فهي ليست لحظة إدانة لمن صدّقوا خطاب الحرب، بل لحظة مراجعة جماعية لمسار كامل. فالوقائع التي تكشفت خلال السنوات الماضية أوضحت أن الحرب لم تعمل بالمنطق الذي قُدمت به للرأي العام، وأن الخطاب التعبوي الذي صاحبها لم يكن معزولاً عن صراع سياسي أوسع مرتبط بإعادة ترتيب السلطة في البلاد.

 

وفي هذا السياق، برز الدور المحوري للإعلام المرتبط بالتيار الإسلاموي، الذي صاغ الحرب باعتبارها حرب كرامة وطنية، وربط بين استمرارها وبين حماية الدولة نفسها. ومع تراكم الأحداث، بدا واضحاً أن تلك السردية لم تكن وصفاً محايداً للواقع بقدر ما كانت قراءة سياسية منحازة. انكشاف هذا التناقض لم يحتج إلى حملات مضادة بل فرضته الوقائع اليومية التي عاشها السودانيون بأنفسهم.

 

فالصدمة التي أصابت كثيراً من مؤيدي الحرب لم تكن نتيجة خطاب سياسي جديد، وإنما نتيجة المقارنة المباشرة بين ما قيل وما حدث. وهي صدمة طبيعية حين يكتشف المجتمع أن الحرب التي ظُنّ أنها طريق لاسترداد الكرامة لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تكون المراجعة ضعفاً، بل علامة صحة سياسية وقدرة على التعلم من التجربة.

 

لذلك فإن الدعوة اليوم لتصحيح الاصطفاف الوطني لا تنطلق من خصومة مع من أيّدوا الحرب، بل من إدراك أن أغلبية هؤلاء كانوا يبحثون عن العدالة لا عن استمرار الصراع. إن العودة إلى موقع الدفاع عن السلام والتحول المدني الديمقراطي ليست انتقالاً بين معسكرين، بل عودة إلى الهدف الأصلي الذي التقت حوله تطلعات السودانيين منذ اندلاع ثورتهم: بناء دولة تحمي المواطن بدلاً من استنزافه.

وفي أثناء هذه المراجعة، تظهر تلقائياً مفارقة كاشفة: فالقوى التي قدّمت الحرب باعتبارها معركة نهائية لاستعادة الدولة بدت، مع مرور الوقت، أكثر انشغالاً بإعادة تموضعها السياسي من انشغالها بإنهاء معاناة الناس. هذه الحقيقة لم تعد موضوع جدل نظري، بل نتيجة مباشرة لما كشفته التجربة العامة منذ سقوط نظام عمر البشير وحتى اليوم.

غير أن جوهر المرحلة الحالية لا يكمن في محاكمة الماضي بقدر ما يكمن في استثمار الوعي الجديد الذي أنتجته التجربة. فالمجتمعات لا تتقدم عبر الإصرار على المواقف القديمة، وإنما عبر القدرة على تصحيح المسار عندما تتغير المعطيات.

إن السودانيين الذين دعموا الحرب بدافع الكرامة هم أنفسهم الأكثر قدرة اليوم على قيادة التحول نحو السلام، لأنهم يدركون — بحكم التجربة — ثمن استمرار الصراع. ولذلك فإن خطاب المرحلة لا يحتاج إلى تخوين أو استقطاب جديد، بل إلى لغة تستوعب الجميع وتعيد بناء الثقة حول مشروع وطني جامع.

اللحظة الراهنة تفتح باباً نادراً: إمكانية الانتقال من الاصطفاف حول الحرب إلى الاصطفاف حول إنهائها. لا باعتبار السلام تنازلاً، بل باعتباره استعادة فعلية لمعنى الكرامة الذي بحث عنه الناس منذ البداية.

وبقدر ما كشفت السنوات الماضية حدود خطاب التعبئة، فإنها أعادت أيضاً تعريف الوطنية نفسها: ليست في استمرار القتال، بل في القدرة على إيقافه حين يتضح أنه لم يعد يخدم الوطن. ومن هنا يصبح تصحيح الموقف ليس مجرد خيار سياسي، بل مسؤولية أخلاقية تجاه بلد أنهكته حرب بدأت بوعد استرداد الحقوق… وانتهت بضرورة استرداد المستقبل نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!