
نجم الدين دريسة
حين تتحول الدولة إلى غنيمة، يصبح الفساد نظامًا لا انحرافًا
ليس من الدقة النظر إلى مأساة السودان الحديثة بوصفها نتاجًا لعوامل جغرافية قاهرة أو قدر تاريخي محتوم. فالأزمة، في جوهرها، صنيعة منظومة متكاملة من الكلبتوقراطية؛ حيث تماهت السلطة مع الثروة، وتحولت الدولة إلى وعاء لتوزيع الامتيازات، بدل أن تكون إطارًا لإدارة الصالح العام. على امتداد عقود، لعبت نخب عسكرية ومدنية أدوارًا متداخلة في إعادة إنتاج هذا النموذج، فغابت المحاسبة، وتكرّست أنماط الفساد، وتحوّلت الموارد إلى غنائم تُدار خارج منطق الدولة.
السودان، من حيث الإمكانات، ليس بلدًا فقيرًا. فموارده الطبيعية—من أراضٍ زراعية واسعة، ومياه، ومعادن، ونفط، وذهب—تضعه ضمن الدول الغنية بالقابلية التنموية. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في اتساع الفجوة بين الإمكان والواقع. فبينما راكمت قلة محدودة ثروات ضخمة دون سند إنتاجي حقيقي، ظل غالبية المواطنين يواجهون أعباء الفقر وتداعيات الحروب وتدهور الخدمات. هنا تتجلى الكلبتوقراطية في صورتها الأوضح: ثراء بلا إنتاج، وسلطة بلا مساءلة، ودولة بلا مواطن.
غير أن جوهر الأزمة لا يقتصر على نهب الموارد، بل يمتد إلى إدارة الفساد بوصفه سياسة. فقد تشكلت، بمرور الزمن، شبكات مصالح عابرة للمؤسسات، ضمّت نخبًا عسكرية ومدنية وبيروقراطية، ارتبط بعضها بامتدادات إقليمية، ما أفضى إلى تداخل القرار الوطني مع حسابات خارجية. لم يكن هذا الارتباط عرضيًا، بل خدم معادلة واضحة: حماية الامتيازات مقابل إعادة توجيه الموارد بما يتوافق مع مصالح هذه الشبكات.
ولكي تستمر هذه المنظومة، كان لا بد من إنتاج سرديات قادرة على تشتيت الوعي العام. لم تعد الحروب مجرد انعكاس لتوترات موضوعية، بل أصبحت—في كثير من الأحيان—أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وإبعاد الأنظار عن مكامن الخلل البنيوي. تُصنع الأخطار، ويُضخّم العدو، وتُعاد صياغة الأولويات، بينما يظل الفساد في مأمن من المساءلة. هذه الآلية، التي تحدث عنها مفكرون كثر، تقوم على توظيف الخوف بوصفه أداة حكم، وعلى إعادة تشكيل إدراك الجماهير بما يخدم بقاء السلطة.
في السياق ذاته، أُتقن فن التأثير على المخيلة العامة عبر خطاب تعبوي يتغذى على القلق والتهديد. فبدل أن تُستخدم السياسة لإدارة الاختلاف وبناء التوافق، جرى توظيفها لإنتاج الاستقطاب وإدامة السيطرة. تحولت الجماهير، في ظل هذا الخطاب، من فاعل محتمل للتغيير إلى عنصر مُستنزف في صراعات لا تعود عليه بأي مكسب. وهكذا، تكرّس نمط حكم يستند إلى العاطفة أكثر من العقل، وإلى التعبئة أكثر من الرؤية.
لكن هذه المعادلة لم تعد صالحة بالقدر ذاته. فالتجربة القاسية التي مر بها السودانيون، بما تحمله من تضحيات وخسائر، أسهمت في إعادة تشكيل الوعي العام. لم تعد السرديات القديمة قادرة على حجب الحقائق كما في السابق، وبدأت تتبلور قناعة أوسع بأن الأزمة ليست في “عدو متخيّل”، بل في بنية حكم مختلة تحتاج إلى مراجعة جذرية. إن تآكل الثقة في الخطاب التقليدي يمثل، في ذاته، بداية لتحول أعمق.
يقف السودان اليوم عند مفترق حاسم. فإعادة إنتاج النخب ذاتها، أو الاكتفاء بتبديل الوجوه دون تغيير المنهج، لن يفضي إلى نتائج مختلفة. كما أن استمرار النظر إلى الدولة بوصفها مجالًا للمحاصصة لا يمكن أن يحقق استقرارًا أو تنمية. الخيار الأكثر واقعية يتمثل في بناء نموذج جديد للدولة، يقوم على وضوح الصلاحيات، واستقلال المؤسسات، وخضوع السلطة للمساءلة.
إن الكلبتوقراطية، بوصفها نمط حكم، لا تُختزل في الفساد المالي فحسب، بل تشمل تشويه الوعي العام، وإضعاف السياسة، وتفكيك العقد الاجتماعي. ومن ثم، فإن مواجهتها تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بإعادة الاعتبار للفكرة الأساسية للدولة: خدمة المواطن. لا يكفي تغيير السياسات دون تغيير الذهنية التي أنتجتها، ولا يمكن إصلاح الاقتصاد دون إصلاح البنية التي تديره.
السودان لا يعاني نقصًا في الموارد، بل في كيفية إدارتها. كما أنه لا يفتقر إلى الكفاءات، بل إلى بيئة مؤسسية تسمح لهذه الكفاءات بالعمل. الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة يتمثل في القدرة على الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن منطق الامتياز إلى منطق الحقوق، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.
وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل تمتلك النخب السودانية الشجاعة الكافية للتخلي عن أنماط الحكم القديمة، أم أن البلاد ستظل تدور في حلقة إعادة إنتاج ذاتها؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل السلطة، بل مآل الدولة نفسها.




