
عماد جدو
في إحدى الجلسات الصوتية على منبر “قضايا مروي”، لم يكن الحديث عن الهجوم الذي نفذته أجزاء من القوات المشتركة في منطقة تنقاسي هو أكثر ما يثير الانتباه، بل ما تسلل بين السطور من وصفٍ موجع لحياة الناس هناك. وصفٌ عابر، لكنه كاشف، لحقيقة أكثر عمقًا من صوت الرصاص: بؤسٌ مزمن، ومسغبة، وفقرٌ يكاد يكون هو القاعدة لا الاستثناء.
تحدث بعض المتداخلين عن شكل المساكن في قرية تنقاسي؛ بيوتٌ بلا “حيشان”، بلا أسوار، بلا أدنى مقومات الخصوصية أو الحماية. تفاصيل قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في سياقها الحقيقي تعني انكشافًا كاملًا للإنسان: جسدًا وكرامةً وأمنًا. في مثل هذه البيئات، لا تحتاج القوة المهاجمة إلى كثير عناء؛ فالهشاشة البنيوية للمكان تُغني عن العنف المفرط، وتحوّل السكان إلى أهداف سهلة.
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة حديث القائد عبد العزيز الحلو في مدينة عنتبي الأوغندية، حين عبّر بدهشة صريحة من موقف بعض السودانيين الذين يدافعون باستماتة عن ما يُعرف بدولة “56”، ويصطفون خلف مشاريع وسلطات لم تقدّم لهم شيئًا يُذكر. طرح الحلو آنذاك أسئلة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها:
هل لديك حساب مصرفي في بنك حديث؟
هل تتوفر في منطقتك مستشفيات تقدم خدمة صحية لائقة؟
هل توجد مدارس تضمن تعليمًا حقيقيًا لأبنائك؟
هل تسير على طرقٍ مسفلتة؟
هل تملك سكنًا يليق بكرامة الإنسان؟
ثم جاءت المفارقة الصادمة في خلاصة حديثه: كيف لإنسانٍ محروم من كل هذه الأساسيات أن يتحول إلى مدافع شرس عن مشروع سياسي صُمم في جوهره . لإبقائه في هذا الوضع؟
تنقاسي ليست استثناءً، بل نموذجًا مصغرًا للهامش السوداني العريض، حيث تتقاطع الإهمالات التاريخية مع سياسات التمكين والتمييز، لتنتج واقعًا يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وحين تقع مثل هذه المناطق تحت وطأة الصراع المسلح، فإنها لا تخسر فقط الأمن، بل تُسلب ما تبقى من قدرة على الصمود.
الأخطر من ذلك أن معاناة هذه المجتمعات لا تجد طريقها إلى الخطاب السياسي السائد، الذي يختزل الصراع في شعارات كبرى مثل “الكرامة” و”السيادة”، بينما يغيب السؤال الأساسي: كرامة من؟ وسيادة على ماذا؟ هل هي سيادة الدولة على أرضٍ يعيش أهلها بلا خدمات، بلا حماية، بلا مستقبل؟
إن ما كشفته روايات أهالي تنقاسي ليس مجرد حادثة عابرة، بل شهادة حية على فشل نموذج الدولة المركزية في السودان. دولة لم تنجح في بناء إنسانها، لكنها نجحت . إلى حد بعيد . في إنتاج ولاءات عاطفية تدفع هذا الإنسان نفسه للدفاع عنها، حتى وهي تتركه مكشوفًا أمام الفقر والعنف.
تنقاسي اليوم ليست فقط ضحية هجوم مسلح، بل ضحية تاريخ طويل من الإقصاء. وبين صوت الرصاص وصمت الدولة، يبقى المواطن هناك عالقًا في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنه وُلد في المكان الخطأ، تحت ظل دولة لم تعترف به يومًا كمواطن كامل الحقوق.
وفي لحظة صدق كهذه، ربما يكون السؤال الأجدر بالطرح.
وتعريف الصراع الحقيقي القائم الان بين قوات التأسيس ومليشيات الحركة الإسلامية الداعشية .أم سيظل الهامش يدفع ثمن أوهام المركز إلى ما لا نهاية؟ يجب ان نترك الحلول .العاطفية ونلقي النظرة الموضوعية لاصل الصراع اهل تنقاسي ادوات وضحايا والمهاجمين من المشتركة أدوات وضحايا وان الصراعات لاتحسم بهذه الطريقة هل ان الاوان لإعادة تعريف الدولة في السودان؟



