
جيلان شريف
السودان بين الحرب والثروات.. من يملك حق القرار؟
يمر السودان اليوم بواحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، بعد أن تحولت الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي إلى واقع يومي يهدد وحدة الدولة ومستقبل الأجيال القادمة. فالمواطن السوداني يعيش وسط أوضاع إنسانية وأمنية بالغة التعقيد، في وقت تراجعت فيه مؤسسات الدولة، وغابت الرقابة الشعبية والتشريعية، وأصبحت القرارات المصيرية تُتخذ في ظروف استثنائية تفتقر إلى الإجماع الوطني.
وفي ظل هذا الواقع المضطرب، يبرز ملف الثروات المعدنية والمسح الجيولوجي كأحد أكثر الملفات حساسية وخطورة، لأنه لا يتعلق بمشروعات عادية أو استثمارات مؤقتة، بل يرتبط مباشرة بسيادة السودان وموارده الاستراتيجية التي تمثل حقاً أصيلاً للشعب السوداني وللأجيال القادمة.
إن أي حديث عن إجراء مسح جيولوجي جديد في ظل الحرب وغياب حكومة منتخبة يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع السوداني. لماذا الآن؟ ولمصلحة من يتم فتح هذا الملف؟ وكيف يمكن السماح لشركات أجنبية بالدخول إلى مناطق حساسة وجمع بيانات تفصيلية عن باطن الأرض السودانية في وقت تعاني فيه البلاد من هشاشة أمنية وانقسام سياسي غير مسبوق؟
السودان ليس دولة فقيرة في الموارد حتى يبدأ من الصفر. فهناك مناطق عديدة خضعت لمسوح جيولوجية سابقة، خاصة في البحر الأحمر ومناطق التعدين المعروفة، كما توجد شركات تعمل بالفعل في قطاع المعادن والذهب. لذلك فإن الأولوية الحقيقية يجب أن تكون لتنظيم قطاع التعدين الأهلي، وتقنين العمل العشوائي الذي تسبب في كوارث صحية وبيئية وأودى بحياة عدد كبير من الشباب السوداني بسبب استخدام المواد السامة وغياب الرقابة.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من الخرائط الجيولوجية بقدر ما يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات شفافة تحمي الثروة الوطنية من الاستغلال والفوضى والفساد. فالموارد الطبيعية في الدول المستقرة تكون عامل نهضة وتنمية، لكنها في الدول المنقسمة قد تتحول إلى سبب للصراع والتدخلات الأجنبية والحروب طويلة الأمد.
المخاوف التي يطرحها كثير من السودانيين ليست نابعة من رفض التنمية أو الاستثمار، وإنما من غياب الثقة في الظروف السياسية الحالية، وفي قدرة مؤسسات الأمر الواقع على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بثروات البلاد دون تفويض شعبي أو رقابة دستورية. ولهذا فإن أي مشروع استراتيجي يتعلق بموارد السودان يجب أن يخضع لنقاش وطني واسع، تشارك فيه مؤسسات الدولة الشرعية والخبراء والقوى السياسية والمجتمع المدني، حتى لا تتحول ثروات السودان إلى بوابة جديدة للصراع أو النفوذ الخارجي.
إن حماية الثروة الوطنية ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. والسودانيون الذين قدموا التضحيات من أجل وطنهم من حقهم أن يطمئنوا إلى أن موارد بلادهم لن تُدار في الغرف المغلقة، ولن تُمنح أو تُباع تحت ضغط الحرب والاضطراب.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل السودان الاقتصادي والسيادي في غياب برلمان منتخب وحكومة شرعية كاملة الصلاحيات؟ أم أن الحكمة تقتضي تأجيل الملفات الاستراتيجية الكبرى حتى يستعيد السودان عافيته ومؤسساته الوطنية وإرادة شعبه الحرة؟




