
سمية النور دهب
حين تتحول القيادة من إدارة المعركة إلى صياغة معنى الوطن، تبدأ الأمم في الاقتراب من مستقبلها الحقيقي
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس أهمية الخطابات بحجم التصفيق الذي تحققه، وإنما بقدرتها على التعبير عن الأسئلة العميقة التي تعيشها الشعوب. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى خطاب رئيس المجلس الرئاسي بحكومة السلام والقائد العام لقوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بمدينة نيالا، باعتباره واحداً من أكثر الخطابات السياسية والعسكرية وضوحاً منذ اندلاع الحرب السودانية.
فالخطاب لم يكن مجرد حديث تعبوي أمام القوات، بل بدا كأنه إعلان سياسي شامل عن ملامح السودان الذي يتطلع إليه ملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب، وأرهقتهم عقود التهميش، وأفقدتهم الدولة القديمة الثقة في معنى الوطن نفسه.
لقد تحدث حميدتي هذه المرة بلغة تختلف عن الخطاب العسكري التقليدي؛ لغة تحمل مزيجاً من الحسم والرؤية، ومن القوة والمسؤولية، ومن الواقعية والطموح. لم يتحدث فقط عن الميدان، بل تحدث عن التعليم، والخدمات، والدولة المدنية، والجيش القومي، والتنمية، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، وهي قضايا ظلت تمثل جوهر مطالب السودانيين منذ عقود طويلة.
ولعل أهم ما ميز خطاب نيالا أنه أعاد تعريف طبيعة الصراع في السودان؛ فالمعركة – كما قدمها الخطاب – ليست حرب نفوذ بين جنرالين، بل صراع بين مشروعين: مشروع يريد إعادة إنتاج الدولة القديمة القائمة على الهيمنة الأيديولوجية والاحتكار المركزي، ومشروع آخر يسعى لبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والتعددية والشراكة الوطنية.
لقد أدرك الخطاب بوضوح أن الأزمة السودانية ليست أزمة سلطة فقط، وإنما أزمة بنية دولة فشلت تاريخياً في إدارة التنوع والعدالة والتنمية. ولهذا جاء التركيز على بناء جيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية، باعتباره مدخلاً ضرورياً لإنهاء الحلقة التاريخية التي جعلت المؤسسة العسكرية أداة للصراع السياسي بدلاً من أن تكون حارساً للوطن والدستور.
كما أن حديث حميدتي عن التعليم لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل كان تعبيراً عن فهم عميق بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان. فالدول لا تنهض بالبندقية وحدها، وإنما بالمدرسة والجامعة والمعرفة، وبخلق جيل جديد يمتلك أدوات المستقبل بعيداً عن التطرف والكراهية والحروب.
ومن النقاط اللافتة أيضاً في الخطاب ذلك الإصرار الواضح على مكافحة التطرف والإرهاب، وهي رسالة تحمل أبعاداً داخلية وخارجية في آن واحد. داخلياً، لأنها تعكس رغبة في تفكيك إرث طويل من التوظيف الأيديولوجي للدولة، وخارجياً لأنها تقدم صورة جديدة للسودان بوصفه بلداً يسعى للاستقرار والانفتاح والشراكة مع العالم.
الأهم من ذلك كله أن خطاب نيالا حمل اعترافاً ضمنياً بأن السودان الجديد لا يمكن أن يُبنى بعقلية الإقصاء أو احتكار المركز للسلطة والثروة. فاختيار نيالا نفسها منصة لهذا الخطاب يحمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ إن الهامش الذي ظل لعقود بعيداً عن مركز القرار بات اليوم ينتج رؤيته الخاصة للدولة والوطن والمستقبل.
لقد شعر كثير من السودانيين، وهم يتابعون الخطاب، بأنهم يسمعون للمرة الأولى حديثاً يتجاوز منطق الحرب إلى منطق إعادة البناء، ويتجاوز لغة الكراهية إلى لغة المشروع الوطني. وربما لهذا السبب وجد الخطاب صدى واسعاً لدى قطاعات تبحث عن أفق جديد ينهي زمن الانقسامات والحروب العبثية.
السودان اليوم يقف أمام مفترق تاريخي بالغ الحساسية، وما يحتاجه ليس فقط وقف الحرب، بل إنتاج رؤية جديدة للدولة قادرة على استيعاب الجميع. وخطاب نيالا، بما حمله من رسائل سياسية وتنموية ووطنية، بدا محاولة جادة لوضع ملامح هذه الرؤية على الطاولة.
قد يختلف الناس حول التفاصيل، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الخطاب عبّر عن تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين الذين يريدون دولة مدنية عادلة، وجيشاً مهنياً، وتعليماً، وتنمية، وسوداناً لا يُدار بعقلية الهيمنة القديمة، بل بعقلية المستقبل.




